تستعد وكالة ناسا للانتقال إلى مرحلة جديدة وطموحة في برنامج استكشاف القمر، حيث تعتزم زيادة قيمة عقود خدمة الحمولة القمرية التجارية من 2.6 مليار دولار إلى 4.2 مليار دولار، مما يعني زيادة تصل إلى 62 في المئة، وذلك لدعم زيادة متوقعة في عدد مهمات مركبات الهبوط الروبوتية على سطح القمر خلال السنوات القادمة.
هذا التعديل في العقود، الذي تم الكشف عنه في وثائق رسمية على منصة المشتريات الحكومية الأمريكية، لا يقتصر على إضافة عدد قليل من المهام، بل يهدف إلى تأسيس سلسلة من عمليات الهبوط التي ستدعم خطط ناسا لبناء قاعدة قمرية دائمة في إطار برنامج “أرتميس”.
تحول CLPS إلى نموذج إنتاجي
عندما أطلقت ناسا برنامج CLPS، كان الهدف منه اختبار نموذج جديد يعتمد على التعاقد السريع مع الشركات الخاصة لنقل الأجهزة العلمية وتجريب تقنيات جديدة على سطح القمر، حيث تدفع الوكالة مقابل الخدمة بينما تتحمل الشركات تكاليف بناء وإدارة مركبات الهبوط والصواريخ.
السقف المالي الأصلي لهذه العقود كان 2.6 مليار دولار حتى نوفمبر 2028، ضمن صيغة “كمية غير محددة، تسليم غير محدد”، تشمل 13 شركة أمريكية مؤهلة تتنافس على أوامر المهام الفردية، وقد منحت الوكالة حتى الآن 11 مهمة هبوط إلى خمسة مزودين فقط، تحمل أكثر من 50 حمولة علمية وتقنية.
الآن، مع خطة رفع السقف إلى 4.2 مليار دولار، لم يعد CLPS مجرد آلية تجريبية، بل أصبح يشبه “خط إنتاج” لمركبات الهبوط القمرية، حيث يمكن لناسا أن تطلب رحلات متكررة بوتيرة ثابتة، مما يعني أن الشركات الخاصة ستُعتبر موردين لعمليات هبوط شبه متسلسلة، في إطار هدف أكبر لبناء بنية تحتية قمرية على المدى الطويل.
زيادة عدد المهمات في الأعوام القادمة
الزيادة المقترحة في قيمة العقود مرتبطة مباشرة بخطة لرفع وتيرة الهبوط إلى مستوى غير مسبوق، حيث تستهدف ناسا تسع مهمات هبوط روبوتية في عام 2027، ترتفع إلى عشر مهمات في 2028، أي ما يعادل مهمة هبوط تقريبًا كل شهر.
ستعمل هذه الرحلات كجسر لوجستي وتكنولوجي لدعم مشروع “القاعدة القمرية”، من خلال نقل أدوات علمية وأجهزة اتصالات ومصادر طاقة وحمولات تجريبية لاختبار تقنيات مثل استخدام موارد القمر المحلية واختبارات البقاء خلال الليل القمري القاسي.
تهدف ناسا من خلال هذا الإيقاع السريع إلى تقليل الاعتماد على الرحلات المأهولة كمصدر رئيسي للتجارب والبنية التحتية، وتحويل المركبات الروبوتية إلى “عمال بناء صامتين” يمهدون الطريق للرواد عبر دراسة البيئة القمرية بدقة أكبر أو نشر تجهيزات تدعم هبوط البشر وإقامتهم لفترات أطول.
فرص جديدة للشركات والجامعات
يرافق هذا التوسع تحرك آخر من ناسا يتمثل في فتح الباب أمام موجة جديدة من الأفكار والحمولات العلمية والتقنية، حيث أصدرت الوكالة طلب معلومات موجهًا إلى الشركات والجامعات والمؤسسات البحثية، تسألهم فيه عن أنواع التجارب والأجهزة التي يرغبون في إرسالها على هذه المهمات الجديدة بدءًا من 2027.
تشير الوثيقة إلى أن ناسا تتوقع ما يصل إلى عشر عمليات تسليم سنويًا عبر CLPS، وأنها مستعدة لتمويل الإطلاق والهبوط والخدمات السطحية مثل الطاقة والاتصالات، بينما يتولى مزودو الهبوط عملية دمج هذه الحمولات في مركباتهم.
في الخلفية، تعمل ناسا على تطوير نسخة موسعة من البرنامج تحت اسم غير رسمي CLPS 2.0، بهدف تحديث شروط التعاقد وإضافة مزودين جدد وربما قدرات أكثر تطورًا تشمل مركبات هبوط أكبر وأدوات تنقل على السطح.
خطوة حاسمة نحو القاعدة القمرية
يشير رفع سقف عقود CLPS بهذا الشكل إلى أن ناسا لم تعد تنظر إلى الهبوط على القمر كأحداث متفرقة، بل كعملية مستمرة تشكل العمود الفقري لاستراتيجيتها القمرية طويلة الأمد.
على الرغم من أن أي مهمة هبوط جديدة تحمل مخاطر تقنية عالية، فإن توسيع البرنامج يمنح الوكالة هامشًا لتقبل الفشل في بعض الرحلات مقابل تراكم الخبرة وتخفيض تكاليف المهمات الناجحة مع مرور الوقت.
رفع السقف من 2.6 إلى 4.2 مليار دولار ليس مجرد تعديل محاسبي، بل هو إشارة عملية إلى أن العقد المقبل من استكشاف القمر سيُدار بمنطق مختلف، حيث ستكون هناك رحلات متكررة وشركات متعددة وحمولات متنوعة، جميعها تعمل معًا لبناء حضور بشري وعلمي دائم على سطح القمر.

