منذ فترة طويلة، بدأت الدولة المصرية في التعامل مع الزراعة بشكل مختلف، حيث أصبحت جزءًا أساسيًا من الأمن القومي، وليس مجرد نشاط اقتصادي تقليدي. هذا التوجه يستهدف مواجهة التحديات العالمية في مجالات الغذاء والمياه والطاقة، مما يجعل الزراعة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
استراتيجية التوسع الزراعي
الرئيس عبدالفتاح السيسي أطلق استراتيجية تهدف إلى زيادة الرقعة الزراعية وتحسين كفاءة استخدام المياه، بالإضافة إلى تطوير بنية تحتية متكاملة تشمل الطرق والكهرباء واللوجستيات. الهدف هو تحويل الأراضي الجديدة إلى مجتمعات إنتاجية تساهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي وزيادة الصادرات.
إحصائيات رسمية تشير إلى أن المساحة المزروعة في مصر ارتفعت إلى 10 ملايين فدان في عام 2024، مقارنة بـ 8.9 مليون فدان في عام 2014، كما حققت الصادرات الزراعية قفزات ملحوظة في السنوات الأخيرة. العام الماضي، سجلت الدولة أرقامًا قياسية في الاكتفاء الذاتي في عدة قطاعات مثل بيض المائدة والألبان، حيث بلغ الاكتفاء الذاتي 100% في بعض المنتجات.
إعادة رسم الخريطة الزراعية
النهضة الزراعية الحالية تتجاوز مجرد استصلاح الأراضي، فهي تشمل مجموعة شاملة من السياسات التي تشمل التوسع الأفقي بإضافة مساحات جديدة وزيادة إنتاجية الفدان. البيانات تشير إلى أن مشاريع التوسع الأفقي تستهدف أكثر من مليوني فدان، مما يعكس تحول الدولة من إدارة الأزمات إلى بناء قدرة إنتاجية مستدامة.
هذا التحول يظهر بوضوح من خلال زيادة المساحة المزروعة بنسبة 12.4%، وارتفاع صادرات السلع الزراعية بنسبة 74.4% لتصل إلى 7.5 مليون طن في عام 2023، مقارنة بـ 4.3 مليون طن في عام 2014.
مشروع المليون ونصف المليون فدان
يُعتبر مشروع المليون ونصف المليون فدان من الركائز الأساسية في جهود الدولة لتأمين الغذاء وإعادة توزيع التنمية. المشروع يهدف إلى زيادة الرقعة الزراعية من 8 ملايين فدان إلى 9.5 مليون فدان، مما يمثل زيادة بنسبة 20%. كما يسعى لإنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة تعتمد على الزراعة.
المشروع مقسم إلى ثلاث مراحل، تشمل كل مرحلة مساحات مختلفة، ولا يقتصر دوره على زيادة المساحة المزروعة فقط، بل يتضمن خلق فرص عمل جديدة وزيادة صادرات مصر من المحاصيل الزراعية.
جهود وزارة الزراعة
وزارة الزراعة تعمل على محورين رئيسيين: استصلاح الأراضي وزيادة جودة المحاصيل. هذا النهج المتكامل يساهم في تحويل الأراضي الجديدة إلى مصادر إنتاج حقيقية.
في عهد الرئيس السيسي، شهد القطاع الزراعي طفرة كبيرة، حيث زادت الاستثمارات في هذا المجال وتم تنفيذ مشروعات قومية كبرى.
البحث العلمي والتكنولوجيا
الوزارة تعتمد على البحث العلمي لزيادة الإنتاجية الزراعية، حيث تم استنباط أصناف جديدة من المحاصيل مثل القمح والأرز. هذه الجهود تهدف إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز القدرة الإنتاجية المحلية.
كما تم تطوير تقنيات جديدة تسمح بزراعة المحاصيل باستخدام مياه مرتفعة الملوحة، مما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي.
تبطين الترع وتحسين إدارة المياه
وزارة الموارد المائية والري تلعب دورًا حاسمًا في دعم التوسع الزراعي من خلال مشروعات تبطين الترع. هذه المشروعات تهدف لتقليل الفاقد من المياه وضمان وصولها بكفاءة إلى الأراضي الزراعية، مما يزيد من إنتاجيتها.
كل قطرة مياه تُحسن من إدارة الري تعني إمكانية ري مساحات جديدة وزيادة العائد من الفدان، مما يدعم الأمن الغذائي.
ربط الإنتاج بالمواني
نجاح التوسع الزراعي لا يعتمد فقط على ما يُزرع، بل أيضًا على سرعة وكفاءة وصول المنتجات إلى الأسواق. وزارة النقل تعمل على تنفيذ ممرات لوجستية تربط مناطق الإنتاج بالمواني البحرية، مما يسهم في تقليل تكلفة النقل وزيادة تنافسية المنتجات الزراعية المصرية.
دور الطاقة في التنمية الزراعية
الكهرباء أيضًا تلعب دورًا حيويًا في تشغيل البنية التحتية الزراعية. وزارة الكهرباء تعمل على توفير التغذية الكهربائية للمشروعات الزراعية، مما يسهم في دعم التوسع الزراعي.
الصادرات الزراعية وتأثيرها على الاقتصاد
التوسع الزراعي له تأثير مباشر على الأمن الغذائي وزيادة الصادرات. كل فدان جديد وكل شبكة ري محسنة تعني قدرة أكبر على زراعة المحاصيل الأساسية وتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
مصر صدرت 400 سلعة زراعية إلى 170 سوقًا، مما يجعل الزراعة مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة.
ما يحدث في القطاع الزراعي ليس مجرد توسع في المساحات المزروعة، بل هو إعادة بناء شاملة لمنظومة الغذاء والإنتاج، مما يعكس التوجه الاستثماري طويل الأجل في أمن المصريين الغذائي والاقتصاد.

