تحل في الخامس والعشرين من أبريل ذكرى مهمة في تاريخ مصر، وهي ذكرى تحرير سيناء بعد سنوات من الاحتلال، هذه المناسبة تمثل علامة فارقة على قدرة الدولة المصرية في استرداد حقوقها وصون سيادتها، كما تعكس كيف يمكن تحويل التحديات إلى فرص للنمو والبناء، فسيناء ليست مجرد أرض تحررت، بل أصبحت نموذجًا لمسار متكامل بدأ بالتحرير العسكري والدبلوماسي، وتطور إلى معركة ضد الإرهاب، وصولًا إلى مرحلة التعمير والتنمية الشاملة.
ذكرى التحرير والإنجازات الحالية
هذا العام نحتفل بالذكرى الرابعة والأربعين في وقت تشهد فيه مصر تسارعًا في المشروعات القومية، حيث تتضح نتائج استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تغيير الواقع الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي في شبه الجزيرة، مما يعزز مفهوم الأمن القومي الذي يتجاوز حماية الحدود إلى تحقيق التنمية والاستقرار وخلق فرص حياة كريمة.
تحرير سيناء لم يكن حدثًا عابرًا بل نتاج مسار طويل بدأ بحرب أكتوبر التي أعادت الثقة للأمة العربية وأثبتت أن الإرادة قادرة على تغيير موازين القوى، واستكملت الدولة المصرية المعركة سياسيًا وقانونيًا عبر المفاوضات حتى استردت آخر شبر من الأرض في طابا عام 1989.
تجربتنا في تحرير سيناء شكلت نموذجًا عالميًا في إدارة الصراع، حيث جمعت بين القوة العسكرية والحنكة السياسية، وأكدت أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن الدولة القادرة على القتال قادرة أيضًا على التفاوض من موقع القوة.
التحديات الجديدة في سيناء
بعد عقود من التحرير، واجهت سيناء تحديًا جديدًا تمثل في تصاعد الإرهاب ومحاولات تحويلها إلى بؤرة للفوضى، وهنا دخلت مصر مرحلة مختلفة تمامًا، حيث قادتها مؤسسات الدولة وعلى رأسها القوات المسلحة التي خاضت عمليات عسكرية معقدة للقضاء على التنظيمات الإرهابية، بالتوازي مع جهود تنموية وأمنية شاملة.
لم تكن معركة التطهير تقليدية، بل كانت حربًا متعددة الأبعاد، شاركت فيها القوات المسلحة والشرطة وأجهزة الدولة كافة، وقدمت مصر ثمنًا كبيرًا من دماء أبنائها لكن في النهاية نجحت في استعادة الأمن والاستقرار، وإفشال المخططات التي استهدفت تفكيك الدولة.
مدن مثل العريش والشيخ زويد ورفح كانت مسرحًا رئيسيًا لهذه المواجهة، لكنها تحولت اليوم إلى مناطق تشهد عودة الحياة الطبيعية، مما يعكس نجاح استراتيجية الدولة في القضاء على الإرهاب.
التعمير والتنمية في سيناء
المرحلة الأهم في مسار سيناء بدأت مع إطلاق خطة قومية شاملة للتنمية، حيث تقوم على مبدأ أن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا بالتنمية، ومن هنا جاءت مئات المشروعات في مجالات البنية التحتية والإسكان والزراعة والصناعة والنقل والطاقة والخدمات الصحية والتعليمية.
الأنفاق الجديدة المارة أسفل قناة السويس اختصرت زمن العبور وربطت سيناء بالوادي والدلتا بشكل غير مسبوق، بينما أسهمت شبكات الطرق الحديثة في فتح آفاق استثمارية واسعة، وتحولت مدن جنوب سيناء، مثل شرم الشيخ، إلى نموذج للتنمية السياحية العالمية، خصوصًا بعد استضافة مؤتمرات دولية كبرى.
كما شهدت سيناء توسعًا زراعيًا ضخمًا من خلال مشروعات استصلاح الأراضي، وإنشاء التجمعات الزراعية والصناعية، إضافة إلى بناء مدن جديدة وتطوير التجمعات البدوية، في إطار رؤية تهدف إلى دمج سيناء بالكامل في الاقتصاد الوطني.
هذا التحول في سيناء مرتبط بإرادة سياسية واضحة، قادها الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي وضع تنمية أرض الفيروز ضمن أولويات الأمن القومي، معتبرًا أن تعميرها هو الضمان الحقيقي لعدم عودة الإرهاب.
استراتيجية التنمية المتكاملة
اعتمدت الدولة استراتيجية واضحة لتنمية سيناء قائمة على ثلاثة محاور متوازية، وهي استعادة الأمن والقضاء على الإرهاب وتنفيذ مشروعات تنموية كبرى وتحسين جودة حياة المواطنين، حيث كان هذا التكامل بين الأمن والتنمية يمثل أحد أهم الدروس المستفادة من التجربة المصرية.
اليوم، وبعد 44 عامًا من التحرير، لم تعد سيناء مجرد أرض استعيدت، بل أصبحت مساحة واعدة للاستثمار والتنمية والسياحة والطاقة، وبوابة استراتيجية تربط آسيا بأفريقيا، ومركزًا لوجستيًا يلعب دورًا مهمًا في الاقتصاد الإقليمي.
الاحتفال بهذه الذكرى لا يقتصر على استعادة الماضي، بل يحمل رسالة واضحة بأن الدولة المصرية قادرة على حماية أرضها وبناء مستقبلها في الوقت نفسه، وأن ما تحقق في سيناء يمكن أن يكون نموذجًا للتنمية في مناطق أخرى.
ذكرى تحرير سيناء تحمل بعدًا معنويًا عميقًا، فهي تذكر الأجيال الجديدة بأن الحفاظ على الوطن لا يقل أهمية عن تحريره، وأن التحديات مهما كانت صعبة يمكن تجاوزها بالإرادة والعمل والتخطيط.
التحرير كان بداية الطريق، والتطهير كان ضرورة لحماية الدولة، أما التعمير فهو الضمان الحقيقي للمستقبل، وبين هذه المراحل الثلاث تتجسد قصة وطن استطاع أن يحول أرضًا كانت ساحة حرب إلى مشروع حضاري متكامل.
في هذه الذكرى، تبقى سيناء عنوانًا للصمود، ودليلًا على أن مصر حين تقرر تستطيع، وحين تبني تثبت أن التاريخ لا يصنعه إلا أصحاب الإرادة.

