كتب إبراهيم الهادي عيسى، في الوقت الذي تواصل فيه مصر جهودها نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، يبدو أن الواقع يفرض تحديات كبيرة رغم الإعلان عن اكتشافات جديدة. الإنتاج المحلي قد تحسن لكنه لا يكفي لتلبية الطلب المتزايد، خاصة مع تراجع الإنتاج من بعض الحقول الكبرى.
رئيس الوزراء مصطفى مدبولي تحدث عن اكتشافات جديدة قال إنها مبشرة، مثل حقل “دينيس-1″، والذي يُعتبر خطوة نحو أن تصبح مصر مركزًا إقليميًا للطاقة. وزير البترول كريم بدوي أشار إلى أن هذا الحقل سيدخل مرحلة الإنتاج في النصف الثاني من 2027، بعد نجاح شركة إيني في حفر بئر جديد قبالة سواحل بورسعيد.
ولكن.. هل يتحقق حلم مصر بالاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي؟
فجوة الإنتاج بين ما تنتجه مصر وما تحتاجه من الغاز الطبيعي تقدر حاليًا بحوالي 2 مليار قدم مكعب يوميًا، حيث يصل الإنتاج المحلي إلى نحو 4 مليارات قدم مكعب، بينما الاستهلاك يبلغ 6 مليارات قدم مكعب يوميًا. الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول، أوضح أن الاكتشافات الأخيرة تعد إضافات محدودة مقارنة بالحجم الفعلي للفجوة، حيث أن بعض الحقول الجديدة تضيف فقط حوالي 50 مليون قدم مكعب يوميًا، وهو رقم بعيد عن سد العجز.
الدكتور علي عبد النبي، خبير الطاقة ونائب رئيس هيئة المحطات النووية سابقًا، أكد أن الحاجة لسد الفجوة تتطلب اكتشافات كبيرة، مشيرًا إلى أن إنتاج حقل دينيس-1 يصل فقط إلى 150-200 مليون قدم مكعب يوميًا، في حين أن حقل ظهر، الذي بلغ ذروته 2.7 مليار قدم مكعب يوميًا، حاليًا يتراوح إنتاجه حول 1.8 مليار قدم مكعب يوميًا. الفارق في الاحتياطيات بين الحقلين يوضح التحديات الكبيرة التي تواجهها مصر لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
انخفاض إنتاج حقل “ظهر”
التراجع الطبيعي في إنتاج الحقول الكبرى، وخاصة حقل ظهر، يفرض حذرًا في توقعات الإنتاج، خاصة مع عدم استقرار المعدلات على المدى البعيد. الوصول للاكتفاء الذاتي يعتمد على اكتشافات كبيرة ومؤثرة، وقد يحدث ذلك في أي وقت، لكن الأمر يتطلب أيضًا استكمال البنية التحتية اللازمة لدخول هذه الاكتشافات إلى الشبكة.
عبد النبي أشار إلى أن انخفاض الإنتاج في حقل ظهر يعود لعوامل فنية وطبيعية، مثل تراجع ضغط المكمن، بالإضافة إلى اعتبارات تشغيلية تتعلق بالصيانة. كما أن التحديات المالية، مثل تأخر سداد مستحقات الشركات الأجنبية، قد أثرت على وتيرة حفر الآبار الجديدة، مما انعكس بدوره على الإنتاج.
هل دليل على بشرى “مدبولي”؟
مجموعة IMARC لأبحاث السوق توقعت أن تصل استثمارات استكشاف الغاز الطبيعي في مصر إلى 7.1 مليار دولار بحلول 2034، بعد أن كانت 3.8 مليار دولار بنهاية 2025. بينما دراسة بمجلة السفير أشارت إلى أن الدول الآسيوية ستكون أكثر ترحيبًا بصادرات الغاز المصري في المستقبل، بينما أوروبا قد لا تكون سوقًا واعدة.
الدولة تخطط لحفر نحو 14 بئرًا استكشافية في البحر المتوسط خلال 2026، تستهدف إضافة حوالي 12 تريليون قدم مكعب من الاحتياطيات الجديدة، بما في ذلك 2 تريليون قدم مكعب من حقل “دينيس-1”. إذا تحققت هذه الكميات، قد ترتفع الاحتياطيات الإجمالية في مصر إلى نحو 42 تريليون قدم مكعب، مما قد يساعد في تغطية الاستهلاك المحلي وفتح المجال للتصدير، لكن هذا يتوقف على تحقيق الاكتشافات المستهدفة ودخولها مرحلة الإنتاج.
الحديث عن الاكتفاء الذاتي يأتي في وقت يشهد فيه العالم تحولًا نحو الطاقة الأقل انبعاثًا، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الغاز في ظل تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الطلب. هاني النقراشي، خبير الطاقة العالمي، أشار إلى أن الاعتماد المتزايد على الغاز يطرح تحديات تتعلق بالاستدامة وأمن الطاقة، خاصة مع ارتفاع الطلب في فترات الذروة.
زيادة الاعتماد على واردات الغاز المسال لتلبية الاحتياجات، خاصة في الصيف، يضع ضغوطًا إضافية على الاقتصاد، والاستمرار في هذا المسار قد لا يكون الحل المستدام. الحل الأكثر استقرارًا هو التوسع في الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، مع تطوير الشبكات الكهربائية لتلبية هذا التحول.

