عاد سد النهضة الإثيوبي إلى واجهة التصريحات الأمريكية، بعدما جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انتقاداته للمشروع، واصفًا بناءه بأنه «أمر غبي للغاية»، ومعتبرًا أنه يؤثر سلبًا على تدفق مياه نهر النيل إلى مصر، في أحدث تطور يعيد تسليط الضوء على الخلاف المستمر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن مستقبل الموارد المائية للنهر.
وخلال تجمع جماهيري في مدينة سيراكيوز بولاية نيويورك، مساء أمس (الجمعة)، قال ترمب إن إثيوبيا بنت أحد أكبر السدود في العالم بتمويل أمريكي، واعتبر أن المشروع أدى إلى استحواذها على مياه النيل، وهو ما وصفه بأنه أمر سيئ بالنسبة إلى مصر.

ولم يكشف الرئيس الأمريكي عن طبيعة الحل الذي قد تتجه إليه واشنطن لتسوية الخلاف، كما لم يوضح ما إذا كانت تصريحاته تمهد لتحرك دبلوماسي جديد أو لاستئناف الوساطة الأمريكية بين الدول المعنية، في وقت لا تزال فيه الأزمة دون اتفاق ملزم ينظم قواعد ملء السد وتشغيله.

ترمب وسد النهضة.. انتقادات متكررة

وليست هذه المرة الأولى التي يهاجم فيها ترمب المشروع الإثيوبي، إذ سبق أن تناول ملف سد النهضة خلال ولايته الأولى، عندما رعت إدارته مفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان للتوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء خزان السد وتشغيله.

واستضافت واشنطن جولات تفاوضية بمشاركة الدول الثلاث، وبحضور الولايات المتحدة والبنك الدولي بصفة مراقبين.

وفي عام 2020، طرحت الإدارة الأمريكية مسودة اتفاق استندت إلى مقترحات الفرق الفنية والقانونية للدول المعنية، وقالت إنها تهدف إلى معالجة القضايا العالقة بصورة متوازنة. لكن المفاوضات تعثرت بعدما طلبت إثيوبيا مزيدًا من الوقت لإجراء مشاورات داخلية، ورفضت اعتبار المحادثات قد انتهت إلى اتفاق نهائي، كما غابت عن الاجتماع الختامي الذي سبق إعلان واشنطن موقفها من المسودة.

جدل التمويل الأمريكي للسد

وفي يونيو 2025، أعاد ترمب إثارة قضية سد النهضة عبر منشور على منصة «تروث سوشيال»، تحدث فيه عن عدم حصوله على جائزة نوبل للسلام رغم ما قال إنه دور له في الحفاظ على السلام بين مصر وإثيوبيا.

ووصف ترمب السد بأنه مشروع ضخم بنته إثيوبيا بتمويل أمريكي، معتبرًا أن هذا التمويل كان قرارًا «غبيًا»، ومشيرًا إلى أن المشروع يقلل تدفق المياه إلى نهر النيل.

لكن أديس أبابا رفضت هذه الرواية، إذ أكد وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إتيفا، في رد نشره عبر منصة «إكس»، أن السد مشروع محلي بناه الشعب الإثيوبي من أجل الشعب، وليس بمساعدات أجنبية.

وفي فبراير 2026، نفى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، أمام البرلمان، تلقي بلاده قروضًا أو مساعدات مالية أجنبية لبناء السد، وذلك بعد تصريحات لترمب خلال منتدى دافوس قال فيها إن الولايات المتحدة مولت المشروع، كما أكدت شركة «ساليني» المنفذة للسد أنه ممول بالكامل من إثيوبيا.

وتقول الحكومة الإثيوبية إن المشروع جرى تمويله من مواردها ومساهمات شعبها، بينما ظل الجدل بشأن طبيعة التمويل جزءًا من الخلاف السياسي المحيط بالسد.

مشروع ضخم ومخاوف مصرية
تُقدر تكلفة سد النهضة بنحو 4 مليارات دولار، وتبلغ قدرته الإنتاجية المستهدفة 5150 ميجاواط من الكهرباء، ما يجعله أحد أكبر مشاريع الطاقة الكهرومائية في أفريقيا، وأكبر سد في القارة من حيث القدرة الكهربائية وفق البيانات المعلنة للمشروع.

وتنظر إثيوبيا إلى السد باعتباره مشروعًا استراتيجيًا لدعم إنتاج الكهرباء وتعزيز التنمية الاقتصادية، في حين تتمسك مصر بضرورة ضمان عدم تأثر حصتها من مياه النيل، نظرًا إلى اعتمادها الكبير على النهر في تلبية حاجاتها المائية.

وتؤكد القاهرة أن مياه النيل تمثل مصدرًا رئيسيًا لأمنها المائي، إذ تعتمد عليها في الجزء الأكبر من مواردها المائية، فيما تصف السد بأنه تهديد بالغ الخطورة لأمنها المائي في حال تشغيله بصورة أحادية ودون اتفاق ملزم.

وتطالب مصر بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء خزان السد وتشغيله، ويضع آليات واضحة للتعامل مع فترات الجفاف والجفاف الممتد، إلى جانب ضمان تبادل البيانات والتنسيق بين الدول الثلاث. وفي المقابل، تتمسك إثيوبيا بحقها في استغلال مواردها المائية لتوليد الكهرباء وتحقيق التنمية، بينما يظل السودان أيضًا طرفًا معنيًا بالمفاوضات، بالنظر إلى موقعه الجغرافي وتأثيرات تشغيل السد المحتملة على موارده المائية ومنشآته.