لا أتذكر متى سمعت محمد منير للمرة الأولى وربما لأنني عرفته منذ بدأت أعي الحياة وأستمع إلى الموسيقى كان صوته حاضرًا في طفولتي مثل أشياء كثيرة نكبر معها دون أن ندرك قيمتها الحقيقية لكن علاقتي به تغيرت تمامًا مع دخولي الجامعة حين بدأت أكتشف عالمه الموسيقي بشكل مختلف وأفهم لماذا ظل هذا الصوت استثنائيًا طوال كل هذه السنوات.

في سنوات الجامعة لم يعد محمد منير بالنسبة لي مجرد مطرب أحب الاستماع إليه بل أصبح ملاذًا أعود إليه في مختلف حالاتي النفسية وجدت في كلماته وألحانه وموسيقاه شيئًا يشبهني ويعبر عن مشاعر لم أكن أستطيع أحيانًا التعبير عنها.

كنت أعود باستمرار إلى ألبوماته أختار أغنية وأعيد الاستماع إليها مرات عديدة وفي كل مرة أكتشف تفصيلة جديدة جملة لم أتوقف عند معناها من قبل أو توزيعًا موسيقيًا مختلفًا أو إحساسًا لم يصل إلي في المرات السابقة.

لم أرتبط بأغاني منير في حالة واحدة فقد كنت أفرح معها وأحزن معها وأعيش لحظات الحب على أنغامها وجدت في أغانيه الشجن والحماس والسعادة وفي كل مرحلة من حياتي كانت هناك أغنية تقترب من مشاعري أكثر من غيرها.

من «شبابيك» إلى «حدوتة مصرية» ومن «الليلة يا سمرا» إلى «نعناع الجنينة» ثم «يونس» و«الفرحة» كان منير يقدم لي في كل مرة عالمًا موسيقيًا مختلفًا لكنه يحتفظ بروحه الخاصة التي تجعلني أتعرف على صوته وموسيقاه من اللحظة الأولى.

وربما كانت أكثر الأشياء التي جذبتني إليه هي قدرته على تحويل الأغنية إلى حالة إنسانية كاملة حين أسمع «لو بطلنا نحلم نموت» لا أتعامل معها باعتبارها مجرد كلمات في أغنية بل أجد فيها معنى للحياة والإصرار وحين أستمع إلى «علي صوتك بالغنا» أشعر أن الموسيقى يمكن أن تمنح الإنسان طاقة هائلة من الأمل والحرية لكن حكاية محمد منير لا تكتمل دون الحديث عن جمهوره وحفلاته.

أعتقد أن الكينج يمتلك واحدة من أكثر العلاقات خصوصية بين مطرب وجمهوره بالنسبالي تظل حفلاته من أمتع التجارب الموسيقية ليس فقط بسبب صوته أو فرقته الموسيقية ولكن لأن الجمهور فيها عنصر أساسي في صناعة الحفل.

جمهور منير لا يكتفي بالاستماع أو ترديد الكلمات بل يشارك في الغناء وصناعة الإيقاع وأحيانًا يعيد تقديم بعض المقاطع بطريقته الخاصة حتى تشعر أن الأغنية لم تعد ملكًا للمطرب وحده بل أصبحت ملكًا لكل شخص يقف أمام المسرح.

هناك حالة من التفاهم يصعب تفسيرها بين منير وجمهوره يكفي أن يبدأ لحن إحدى أغنياته حتى تتفاعل معه آلاف الأصوات وكأن الجميع يعرف متى يغني ومتى يترك المساحة لصوت الكينج وربما لهذا السبب أرى أن أغانيه تكتسب روحًا أخرى على المسرح مهما تكرر الاستماع إليها.

ومع مرور السنوات تغيرت تفاصيل كثيرة في حياتي وتغيرت معها طريقة استماعي إلى الموسيقى لكن محمد منير ظل حاضرًا والمفارقة الجميلة أن علاقتي بأغانيه لم تعد تخصني وحدي.

اليوم وبعد سنوات طويلة من اكتشافه في مرحلة الجامعة أصبحت أستمع إلى أغاني محمد منير مع أطفالي أشغل الأغاني نفسها التي كنت أستمع إليها قبل سنوات لكن هذه المرة في وجود جيل جديد لم يعش زمن صدورها ولم يعرف الحكايات التي ارتبطت بها بالنسبالي.

وأجد متعة مختلفة في أن تكون الموسيقى التي صاحبت شبابي حاضرة الآن في طفولة أبنائي وربما لا يدركان اليوم كل ما تحمله كلمات هذه الأغاني من معان لكنني أتمنى أن يكتشفا يومًا ما اكتشفته أنا وأن يجدا في موسيقى منير شيئًا قريبًا من روحيهما كما وجدته.

أصبحت أنظر إلى الأمر باعتباره امتدادًا طبيعيًا لحكاية بدأت معي منذ الطفولة فقد استمعت إلى منير صغيرًا دون أن أفهم كل ما يغنيه ثم أحببته أكثر حين كبرت وأدركت معاني أغانيه واليوم أعود إلى نقطة البداية ولكن مع أطفالي هذه المرة.

وهنا أدرك أن قيمة محمد منير لا تكمن فقط في نجاحه أو عدد ألبوماته أو سنوات مشواره وإنما في قدرته على العبور بين الأجيال دون أن تفقد موسيقاه تأثيرها أو خصوصيتها.

في عيد ميلاده الثاني والسبعين لا أجد نفسي منشغلًا باستعراض تاريخه الفني بقدر ما أفكر في المساحة التي احتلها داخل حياتي وفي الذكريات التي ارتبطت بأغانيه وفي كل مرة كانت موسيقاه حاضرة لتشاركني فرحة أو حزنًا أو حلمًا جديدًا.

عرفت محمد منير طفلًا وأحببته شابًا واليوم أستمع إليه أبًا بصحبة أطفالي ثلاث مراحل مختلفة من العمر يجمع بينها صوت واحد وموسيقى لم تفقد قدرتها على الوصول إلى القلب وربما بعد سنوات حين يكبر أبنائي يسمعون إحدى أغانيه مصادفة فتعود إليهم ذكريات طفولتهم مثلما تعود إلي اليوم ذكريات الجامعة مع كل أغنية قديمة وقتها سأشعر أنني لم أنقل إليهم مجرد ذوق موسيقي بل شاركتهم جزءًا من حكايتي.

إلي الكينج محمد منير شكراً لأنك لم تكن مجرد صوت استمعنا إليه بل رفيقًا كبر معنا وما زال يغني لأجيال تأتي بعدنا.