أكد الدكتور زيدان كفافي، عالم الآثار الأردني ورئيس جامعة اليرموك الأسبق، أن الآثار المصرية القديمة في الأردن خلال الفترة من 2000 إلى 1200 قبل الميلاد ليست مجرد آثار عابرة أو تجارية محدودة، بل تظهر وجود حضارة متكاملة استمرت لعدة قرون وتركت أثرها في العمارة والفنون والنقوش الملكية.

وأشار كفافي، في حديثه لمراسلة وكالة أنباء الشرق الأوسط بعمان، إلى أن هذه الفترة التاريخية، التي تشمل العصر البرونزي المتوسط وحتى نهاية العصر البرونزي المتأخر، شهدت تفاعلات معقدة بين مصر وبلاد الشام، حيث كان للأردن دور محوري كمركز حضاري وموقع استراتيجي ومصدر للموارد الطبيعية مثل النحاس، كما كان ساحة للصراع السياسي والعسكري بين القوى الكبرى في شرق المتوسط.

العمارة المصرية في المواقع الأردنية

كشف كفافي عن أبرز الأدلة الأثرية التي تدل على الوجود المصري في الأردن، ومنها ما يعرف بـ”بيوت الحكام المصريين”، التي تم اكتشافها في عدة مواقع مثل طبقة فحل وتل السعيدية في غور الأردن، وتعود للعصر البرونزي المتأخر. ووصف هذه البيوت بأنها تعكس الطابع المصري بشكل واضح، من حيث التخطيط المربع أو شبه المربع، ووجود ساحة داخلية تحيط بها الغرف، واستخدام الطوب اللبن في البناء، بالإضافة إلى المداخل الجانبية التي غالبًا ما تكون في زوايا المبنى.

وفي طبقة فحل، تم الكشف عن مبنى كبير يُعرف بـ “Late Bronze Age Palatial Residence”، والذي يضم ساحة داخلية وغرف ومخازن ضيقة، ويُعتقد أنه استُخدم بين 1550 و1300 قبل الميلاد، مع استمرار بعض الوظائف حتى حوالي 1200 قبل الميلاد. أما في تل السعيدية، فقد تم العثور على بقايا مبنى مشابه في التخطيط، مع أرضيات طينية وأعمدة خشبية محتملة، مما يشير إلى تطور في الطابع الإداري أو السكني المرتبط بالنفوذ المصري في المنطقة.

المسلات والنقوش الفرعونية في الأردن

أشار كفافي إلى وجود مسلات ونقوش تحمل طابعًا مصريًا واضحًا، مثل حجر البالوع المكتشف شمال الكرك، والذي يُعتبر من أبرز الشواهد حيث يحمل نقوشًا تمثل مشاهد تجمع بين شخصيات محاربة أو ملكية ذات طابع محلي، إلى جانب رموز ذات تأثير مصري واضح. وأوضح أن هذا النوع من القطع يعكس تداخلًا ثقافيًا، حيث امتزجت الرموز المصرية بالبيئات المحلية، مما يجعل تفسيرها مرتبطًا بسياق سياسي معقد خلال القرنين 13 و12 قبل الميلاد.

كما أشار إلى “مسلة الطرة” في محافظة إربد، التي عُثر عليها مدمجة داخل بناء أثري، وتحمل نقوشًا هيروغليفية لم تُقرأ بشكل حاسم حتى اليوم، مما يجعلها دليلاً مباشرًا على وصول التأثير المصري إلى شمال الأردن، في منطقة شهدت نشاطًا عسكريًا مصريًا متكرراً خلال عهد تحتمس الثالث وسيتي الأول ورمسيس الثاني.

اللقى الصغيرة.. دليل النفوذ المستمر

أكد كفافي أن “اللقى الصغيرة” تعتبر من أهم المؤشرات الأثرية على عمق التأثير المصري، وأبرزها الجعارين، التي تُعتبر من أكثر القطع انتشارًا في مواقع الأردن، وتعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وتحمل غالبًا أسماء ملوك مصريين ورموز الحياة مثل “عنخ” وعين حورس، وقد وُجدت في مواقع مثل طبقة فحل وتل السعيدية وتل دير علا.

وأوضح أن انتشار هذه الجعارين يعكس وجود تواصل إداري وتجاري وربما سكاني مباشر مع مصر وليس مجرد تبادل سلع. كما كشف عن اكتشافات مهمة في تل دير علا، حيث عُثر على إناء على شكل فازة مصنوع من الفاينس يحمل خرطوش الملكة تاوسرت، مما يؤرخ لمستوى متقدم من التواصل حتى نهاية القرن 12 قبل الميلاد، ويشير إلى وجود سلع مصرية أو أفراد مرتبطين بالإدارة المصرية في المنطقة.

واستعرض كفافي أبرز الاكتشافات الفنية المصرية القديمة، مثل صندوق خشبي مطعم بالعاج عُثر عليه في طبقة فحل، ويُعرف باسم “صندوق الأسد”، ويظهر عليه زخارف مصرية مثل قرص الشمس المجنح ونبات البردي وعين حورس، مما يمثل دليلاً قويًا على التأثير الفني المصري المباشر في المنطقة.

دلالات أوسع للوجود المصري في الأردن

أكد كفافي أن هذه الآثار مجتمعة لا يمكن قراءتها بشكل منفصل، بل يجب وضعها في إطار سياسي واستراتيجي أكبر، حيث كانت مصر خلال الدولة الحديثة تسعى لتأمين حدودها الشرقية والتحكم في طرق التجارة نحو بلاد الشام، وكانت تواجه قوى صاعدة مثل الحيثيين والميتانيين. وأشار إلى أن الأردن كان بمثابة “منطقة عازلة” ومحور لوجستي بين مصر وهذه القوى، مما يفسر كثافة الوجود العسكري والإداري المصري في بعض الفترات.

وشدد على أن الآثار المصرية في الأردن ليست مجرد شواهد متناثرة، بل هي منظومة متكاملة من العمارة والنقوش والأدوات الصغيرة والرموز الملكية والتأثيرات الفنية، وتعكس أن العلاقة بين مصر القديمة وبلاد الشام، وخاصة الأردن، كانت علاقة نفوذ وتفاعل حضاري طويل الأمد، امتد عبر قرون، وترك بصمات ما زالت تُكتشف حتى اليوم وتعيد رسم خريطة الشرق الأدنى القديم من جديد.