أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء عددًا جديدًا من مجلة “آفاق اقتصادية معاصرة” بعنوان “الأسواق الناشئة التحديات والفرص” حيث تناولت المجلة ملامح الأسواق الناشئة من خلال استعراض أبرز الاتجاهات والفرص المتاحة والتحديات التي تواجهها، بالإضافة إلى دراسة معمقة لتجارب بعض الاقتصادات الكبرى فيها ومتابعة لأهم المؤشرات المحلية والعالمية، مما يعطي رؤية شاملة للتطورات الاقتصادية الراهنة والمستقبلية.

تحولات الاقتصاد العالمي

أوضح المركز أن الاقتصاد العالمي يشهد حاليًا تحولات عميقة تعكس إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية على المستويين الدولي والإقليمي، فبينما تواصل الاقتصادات المتقدمة مواجهة تباطؤ النمو وارتفاع مستويات التضخم والفائدة، برزت الأسواق الناشئة باعتبارها محركات أساسية للنمو العالمي، مدفوعة بزيادة عدد السكان الشباب، واتساع الطبقة المتوسطة، وتسارع التحول الرقمي، وتنامي الحاجة إلى استثمارات في البنية التحتية والطاقة والخدمات، وهذه العوامل مجتمعة جعلت من الاقتصادات الناشئة بيئة جاذبة لرؤوس الأموال، ومع ذلك فإن هذه الأسواق تواجه تحديات، إذ تعاني من ضغوط بنيوية مثل تقلبات أسعار الصرف وارتفاع معدلات التضخم وضعف الأطر المؤسسية، بالإضافة إلى المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية العالمية، مما يفرض على المستثمرين اتباع استراتيجيات أكثر مرونة تعتمد على التنويع الجغرافي والقطاعي وتعزيز الشراكات المحلية لضمان استدامة العوائد، كما تؤكد التجارب الدولية، وعلى رأسها تجارب الصين والهند والبرازيل، أن الاستثمار في البنية التحتية ودعم الصناعات الاستراتيجية يمثلان مدخلًا جوهريًا لتعزيز الاستقرار الاقتصادي وزيادة النفوذ العالمي.

الاقتصادات الناشئة ودورها في النمو العالمي

كشفت البيانات الحديثة عن الدور المتنامي للأسواق الناشئة، إذ حققت هذه الاقتصادات مجتمعة أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2025، وأسهمت بنحو الثلثين من نمو الاقتصاد العالمي خلال العقد الماضي، وتشير التوقعات إلى استمرار هذه الديناميكية خلال العقود المقبلة، خصوصًا في آسيا وجنوبها، حيث يُتوقع أن يقود النمو المتسارع في الهند واقتصادات أخرى صاعدة مثل بنغلاديش وإندونيسيا وفيتنام التحولات الاقتصادية الكبرى في وقت يتزايد فيه تعقيد السوق الصينية، مما يتيح فرصًا جديدة للتجارة والاستثمار.

لا تقتصر ملامح التحول على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى إعادة رسم أنماط النفوذ الجيوسياسي وسلاسل القيمة العالمية، في ظل التنافس التجاري والاستراتيجي المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وما صاحبه من تحولات في السياسات التجارية والتطور التكنولوجي السريع، وإعادة تشكيل أسواق العمل بفعل الأتمتة والذكاء الاصطناعي، هذه العوامل تجعل من الأسواق الناشئة ساحة أساسية لتفاعلات الاقتصاد العالمي، وفرصة استثمارية واعدة رغم ما تحمله من مخاطر.

سبل تعزيز أداء الأسواق الناشئة

أشار العدد من خلال رؤى الخبراء والباحثين والمحللين إلى سبل تعزيز أداء الأسواق الناشئة، ومن أبرزها إجراء بحث شامل حول السوق من خلال فهم السوق المحلية والفروق الثقافية وتفضيلات المستهلكين والبيئات التنافسية، مما يساعد على التعاون مع الشركاء المحليين في توفير رؤى قيمة، كما يجب تنويع الاستثمارات بدلًا من تركيز الموارد في سوق واحد، حيث ينبغي تنويع الاستثمارات عبر اقتصادات ناشئة متعددة لتوزيع المخاطر، ومراقبة الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاطلاع على التغيرات في السياسات الحكومية والاتفاقيات التجارية والعوامل الاقتصادية العالمية، ويمكن أن يساعد الانخراط مع خبراء أو مستشارين محليين في التنقل عبر هذه التعقيدات وتخفيف حدتها، بالإضافة إلى التركيز على الأهداف طويلة الأجل، فقد تواجه الأسواق الناشئة تحديات قصيرة الأجل، لكن آفاق نموها على المدى الطويل تبقى قوية، والشركات التي تلتزم بإنشاء وجود في هذه الاقتصاديات غالبًا ما تجني مكافآت كبيرة، والاستفادة من التكنولوجيا واعتماد تقنيات قابلة للتوسع، وأنظمة تعتمد على التكنولوجيا وحلول مدفوعة بالتكنولوجيا لمعالجة تحديات العمل في الأسواق الناشئة، مثل استخدام منصات التجارة الإلكترونية للوصول إلى العملاء أو أنظمة الدفع الرقمية للتغلب على قيود البنوك.

أوضح الخبراء والأكاديميون والباحثون أن الأسواق الناشئة تعد اليوم أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد العالمي، إذ أظهرت قدرة متزايدة على التكيف مع التقلبات الاقتصادية وتحقيق معدلات نمو مرتفعة مدفوعة بعوامل داخلية، أهمها التحول الرقمي وتوسع الطبقة الوسطى وزيادة الاستثمارات في مجالات التكنولوجيا الخضراء والطاقة المتجددة، غير أن هذه المسيرة المستقبلية ما تزال محفوفة بتحديات هيكلية جوهرية، أبرزها ضعف الحوكمة وتقلب أسعار الطاقة والآثار المتفاقمة لتغير المناخ، وهي عوامل قد تحد من استدامة مكتسبات النمو.

التوجهات المستقبلية للأسواق الناشئة

لضمان انتقال هذه الأسواق إلى مرحلة أكثر استقرارًا وشمولًا، يبرز أمام صناع السياسات ضرورة تبني إصلاحات هيكلية عميقة تتجاوز الأطر القصيرة الأمد، من خلال تنويع الاقتصادات ودعم القطاعات الواعدة كالتكنولوجيا والطاقة المتجددة، كما أن تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد يشكلان ركيزة أساسية لتهيئة بيئة استثمارية جاذبة وآمنة، في حين يمثل الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والشمول المالي الرقمي خطوة حاسمة لردم الفجوة الرقمية، وتشجيع الابتكار والشركات الناشئة، ومن جانب آخر فإن تعزيز التكامل الإقليمي والانخراط في التكتلات الاقتصادية يسهم في رفع القدرة التنافسية وتوسيع أسواق التجارة والاستثمار البيني.

على مستوى الأعمال، فإن الفرص المتاحة في الأسواق الناشئة ترتبط بمخاطر مرتفعة، وهو ما يستدعي اعتماد استراتيجيات قائمة على التحليل الدقيق وتنويع المحافظ الاستثمارية بين القطاعات والدول، كما يمثل التركيز على المشروعات والشركات التي تتبنى معايير الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية توجهًا واعدًا للاستفادة من الاتجاهات المستقبلية، خاصًة في قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد الأخضر.

بهذا، فإن مسار الأسواق الناشئة نحو نمو مستدام وشامل لن يتحدد بمسارات معدة مسبقًا، بل بمدى قدرتها على التكيف مع التحديات واستثمار الفرص الكامنة، إن تبني رؤية استراتيجية طويلة الأمد قائمة على الابتكار والإصلاح والتعاون الدولي يمثل الطريق الأمثل لضمان استدامة النمو وتحقيق تنمية أكثر شمولاً وعدالة في المستقبل.