من مخيم خان يونس للاجئين إلى مواقع المسؤولية داخل السلطة الفلسطينية، وصولا إلى العمل السياسي خارج الأراضي الفلسطينية.. مسيرة ممتدة من العطاء لمحمد دحلان، انخرط خلالها في النشاط التنظيمي والمفاوضات والاتصالات الإقليمية والمبادرات الاجتماعية والإنسانية.
وعلى الرغم من ابتعاده عن المناصب الرسمية في السلطة الفلسطينية منذ سنوات، ظل اسمه حاضرًا في تطورات القضية الفلسطينية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بقطاع غزة والمصالحة الوطنية والمساعدات الإنسانية.
البدايات من مخيم خان يونس
ولد محمد دحلان عام 1961 في مخيم خان يونس للاجئين الفلسطينيين جنوبي قطاع غزة، ونشأ في بيئة تأثرت بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
بدأ نشاطه السياسي مبكرًا داخل حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، وشارك في تأسيس وتنظيم حركة الشبيبة الفتحاوية، التي شكلت أحد الأطر الشبابية للحركة.
وتعرض للاعتقال من السلطات الإسرائيلية، قبل إبعاده عن الأراضي الفلسطينية في أواخر الثمانينيات، وانتقل بعدها إلى تونس، حيث انضم إلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
ومع توقيع اتفاقيات أوسلو وعودة القيادة الفلسطينية إلى غزة عام 1994، عاد دحلان ليتولى رئاسة جهاز الأمن الوقائي في القطاع.
المناصب السياسية والمفاوضات
تدرج دحلان في عدد من المسؤوليات داخل السلطة الفلسطينية، فتولى حقيبة الشؤون الأمنية عام 2003، ثم شغل منصب وزير الشؤون المدنية.
وشارك في مفاوضات فلسطينية إسرائيلية تناولت الترتيبات الأمنية وحركة المواطنين والبضائع، وكان من أبرزها اتفاق الحركة والعبور الموقع في 15 نوفمبر 2005.
وبصفته وزيرًا للشؤون المدنية، وقع دحلان الاتفاق من الجانب الفلسطيني، والذي تضمن ترتيبات لإعادة فتح معبر رفح بين مصر وقطاع غزة بإشراف أوروبي.
وافتتح المعبر في 25 نوفمبر 2005، في خطوة أتاحت تشغيله بإدارة فلسطينية وفق الترتيبات المتفق عليها آنذاك.
من المجلس التشريعي إلى تيار الإصلاح
فاز دحلان بعضوية المجلس التشريعي الفلسطيني عن دائرة خان يونس في انتخابات عام 2006، ثم انتُخب عضوًا باللجنة المركزية لحركة فتح عام 2009.
لكن خلافاته مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس تصاعدت، وانتهت بفصله من حركة فتح عام 2011، لينتقل لاحقًا للإقامة في الإمارات، إلا أن هذا الأمر لم يمنعه من خدمة القضية الفلسطينية، فواصل نشاطه عبر تيار الإصلاح الديمقراطي، الذي ضم قيادات وكوادر فتحاوية منشقة عن قيادة الحركة.
مبادرات المصالحة المجتمعية
في عام 2017، شارك تيار الإصلاح الديمقراطي وحركة حماس في إطلاق ترتيبات للمصالحة المجتمعية، تضمنت صندوقًا لتعويض عائلات ضحايا الاقتتال الفلسطيني الداخلي عام 2007.
وحظيت المبادرة بدعم إماراتي، وشملت تشكيل لجان للتواصل مع العائلات المتضررة والعمل على معالجة بعض آثار الانقسام.
وكان الهدف المعلن من هذه التحركات تخفيف التوترات الاجتماعية وتهيئة أجواء للحوار بين القوى الفلسطينية.
لقاحات كورونا ودعم غزة
برز دور دحلان في تسهيل المساعدات الطبية خلال جائحة كورونا، عندما ساهم في ترتيب وصول لقاحات ممولة من الإمارات إلى قطاع غزة.
وفي فبراير 2021، وصلت شحنة تضم 20 ألف جرعة من لقاح «سبوتنيك 7» عبر معبر رفح، ضمن ترتيبات ساهم فيها دحلان.
وتواصلت الشحنات خلال الأشهر التالية، قبل وصول مليون جرعة إضافية إلى غزة في يناير 2022، بتمويل إماراتي وبمساهمته في ترتيبات وصولها.
واستهدفت المساعدات دعم القطاع الصحي وتوفير اللقاحات للعاملين الطبيين والفئات ذات الأولوية.
المساعدات الإنسانية خلال حرب غزة
بعد اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، توسعت الأنشطة الإغاثية لتيار الإصلاح الديمقراطي داخل قطاع غزة.
وشملت أنشطة لجانه، بحسب تقارير فلسطينية، المشاركة في توزيع الطرود الغذائية والمياه والملابس والخيام ومستلزمات الإيواء، وتقديم الدعم للنازحين.
كما شاركت بعض اللجان في تسهيل وصول وتوزيع جزء من المساعدات الإماراتية، بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وجاء ذلك بالتوازي مع عملية «الفارس الشهم 3» التي تنفذها مؤسسات إماراتية رسمية وإنسانية، مع اختلاف المسؤوليات بين الجهات المنفذة والجهات المحلية المساعدة.
تحركات سياسية خلال 2026
عاد دحلان إلى واجهة الاتصالات الفلسطينية خلال عام 2026، مع تكثيف المناقشات المتعلقة بمستقبل قطاع غزة وترتيب البيت الفلسطيني، وفي أغسطس، ترأس وفدًا من تيار الإصلاح الديمقراطي خلال لقاء بالقاهرة مع وفد من حركة حماس برئاسة خليل الحية، لبحث التطورات السياسية والإنسانية وسبل تعزيز الشراكة الوطنية.
كما طرح رؤية تدعو إلى نظام سياسي فلسطيني يقوم على التعددية والمؤسسات والانتخابات، بدلًا من استمرار الصراع الفصائلي، وفي أكتوبر 2026، انتقد قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية، معتبرًا أن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع ضرورة لتجديد المؤسسات السياسية.
مسيرة مستمرة في المشهد الفلسطيني
تجمع مسيرة محمد دحلان محطات مختلفة وحاسمة، على مستوى العمل التنظيمي والمناصب الرسمية والمفاوضات والمبادرات الإنسانية، وكذا على مستوى العلاقات الإقليمية التي أتاحت له مواصلة نشاطه من خارج الأراضي الفلسطينية.
وبين دور سابق في إدارة الشؤون المدنية والأمنية، وتحركات تتعلق بإغاثة غزة والمصالحة السياسية، يظل دحلان أحد الأسماء الحاضرة في النقاشات المتعلقة بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وسط خلافات مستمرة بشأن دوره وتاريخه السياسي.


