قرر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في 26 أكتوبر، إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر لحماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة، وفق بيان للرئاسة نقلته وكالة الأنباء الجزائرية، بعد موافقة غرفتي البرلمان في جلستين مغلقتين يوم 25 أكتوبر، وبناء على طلب السلطات النيجرية.
وينقل القرار النقاش من حدود التعاون الدبلوماسي إلى وجود عسكري محتمل في الجوار الجنوبي، حيث تتداخل مشروعات النفط والغاز مع الاضطرابات الأمنية. لكن صدور القرار لا يعني أن الوحدات وصلت بالفعل؛ فبيان الرئاسة لم يحدد عدد الجنود أو موعد إرسالهم.
ما المهمة؟
تضع الرئاسة حماية المصالح الاقتصادية والطاقة في صدارة المهمة. وقال عضو مجلس الأمة بلقاسم بولغيتي، بحسب أسوشيتد برس، إن الهدف تأمين البنية الاقتصادية والمنشآت النفطية الجزائرية في النيجر، موضحا أن القوات لا ترسل لخوض حرب.
ونقلت رويترز أن التفويض يتعلق بمنطقة ماداما شمال النيجر قرب الحدود الليبية، في موقع قاعدة فرنسية سابقة. لكن البيان الرئاسي المعلن لم يقدم تفاصيل الانتشار أو قواعد الاشتباك أو مدة المهمة.
وهذا الفارق يحدد ما يمكن الجزم به: هناك قرار رسمي للإرسال وهدف اقتصادي معلن، بينما تظل طبيعة التسليح وحدود الحركة والتعامل مع الهجمات المحتملة أسئلة مفتوحة. ولا تتوافر معلومات منشورة تسمح بتحديد قدرة القوة المرتقبة على حماية مساحات واسعة.
لماذا البرلمان؟
يشترط الدستور الجزائري موافقة البرلمان على إرسال وحدات الجيش خارج البلاد. وتنص المادة 91، بصيغتها المعدلة في مارس 2026، على مصادقة أغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة، قبل أن يقرر رئيس الجمهورية الإرسال.
وأعلن مجلس الأمة موافقة 148 صوتا من أصل 148 مصوتا، بينهم أعضاء حضروا وآخرون صوتوا بالتوكيل. وبذلك تجاوز التصويت النصاب المطلوب، البالغ 116 صوتا، وفق البيان الرسمي.
وتفسر هذه الآلية عقد جلستين منفصلتين؛ فموافقة غرفة واحدة لا تستوفي الشرط الدستوري. كما تفصل بين منح الغطاء القانوني والسياسي للمهمة، وبين القرارات العملياتية المتعلقة ببدء التحرك وتوزيع الوحدات.
ماذا عن 1973؟
تستدعي الخطوة ذاكرة إرسال الجزائر قوات لمساندة مصر في حرب أكتوبر 1973، وهي المحطة التي أحالت إليها رويترز وأسوشيتد برس عند وصف أهمية القرار بعد عقود من التحفظ تجاه الانتشار العسكري الخارجي.
فقد أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية أن 4 مقاتلات سوخوي سو 30، ترافقها طائرة للتزود بالوقود، هبطت في نيامي يوم 30 أغسطس 2026، لدعم الجيش النيجري عقب اضطرابات شهدتها العاصمة.
لذلك تكشف الوقائع عن مسار متدرج لتعميق التعاون العسكري، سبق التفويض البرلماني الحالي، والمقارنة مع 1973 تشرح البعد التاريخي للخطوة، لكنها لا تكفي وحدها لوصف جميع التحركات العسكرية الجزائرية خارج الحدود.
النفط وراء الحدود
للجزائر مصالح قائمة تتجاوز الحديث عن خط غاز مستقبلي، ففي 13 أغسطس 2026، أعلنت سوناطراك إطلاق مرحلة لحفر 4 آبار استكشافية في رقعة كافرا بالنيجر، بالشراكة مع الشركة النيجرية سونيديب.
وتقول الشركة إن وجودها في الرقعة يعود إلى 2005 عبر فرعها سيبكس، وإن الآبار الجديدة تستهدف استكمال تقييم المكامن وإنتاجيتها وجدواها الاقتصادية. وهذا يعني وجود أعمال وموارد بشرية ومعدات تحتاج إلى بيئة آمنة لاستمرار الاستثمار.
أما خط الغاز العابر للصحراء، فيستهدف ربط نيجيريا بالجزائر عبر النيجر، وصولا إلى شبكات التصدير والأسواق الأوروبية. وأعلنت سوناطراك في 4 يونيو الماضي إطلاق أعمال الجزء الجزائري، مع ربطه مستقبلا بمركز حاسي الرمل.
وبالتالي، فإن استقرار النيجر يؤثر في مشروع يتجاوز حدودها، لكن البيانات المتاحة لا تثبت أن مهمة الوحدات ستقتصر على حراسة مسار الأنبوب، فالهدف الرئاسي المعلن أوسع، ويشمل المصالح الاقتصادية والطاقوية المشتركة.
من التوتر إلى التنسيق
يأتي التقارب بعد توتر؛ إذ عارضت الجزائر انقلاب 2023 الذي أوصل العسكريين إلى السلطة في النيجر، ثم استدعت نيامي سفيرها في 2025 عقب إسقاط الجزائر طائرة مسيرة مالية. وعادت العلاقات للتحسن هذا العام، بالتوازي مع توسيع التعاون الاقتصادي والأمني.
وتواجه النيجر جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، ضمن اضطرابات أوسع في الساحل. ومن هنا، يمكن فهم القلق الجزائري باعتباره مرتبطا أيضا بأمن الحدود؛ فتعطل المشاريع أو اتساع العنف في دولة مجاورة يرفع كلفة الاستثمار والتأمين والحركة عبر الصحراء.
وفي 21 أكتوبر، استقبل رئيس الأركان السعيد شنقريحة وزير الدفاع النيجري ساليفو مودي، وأعلن الجانبان توقيع بروتوكول للتعاون العسكري، قبل أيام من التصويت البرلماني.
وتوحي هذه التطورات بأن الجزائر تربط حماية استثماراتها باستقرار جارها الجنوبي. غير أن دعم الجيش النيجري لا يثبت تلقائيا تكليف الوحدات بحماية الحكومة أو المشاركة في عمليات هجومية. وسيظل نطاق التحول مرهونا بما يعلن عن الانتشار الفعلي ومدة المهمة وصلاحيات القوة.
وهنا يبرز الاختبار العملي للقرار، كيف تؤمن قوة محدودة منشآت بعينها داخل بيئة مضطربة، مع ضبط علاقتها بالجيش المضيف؟ الإجابة تحتاج إلى إعلان ترتيبات القيادة والتنسيق وحدود المسؤولية، وهي تفاصيل لم تتضمنها البيانات المنشورة، رغم أهميتها لفهم المخاطر والالتزامات التي تنشأ مع الانتشار خارج البلاد، خصوصا عند تعرض المنشآت لتهديد أمني.


