في كل مرة تستيقظ فيها وسائل الإعلام على جريمة بشعة أو سلوك عدواني غير مألوف في الشارع، ينطلق الاتهام الجاهز “السينما السبب.. والدراما أفسدت أخلاق الشباب”، وهنا نشير بأصابع الاتهام إلى أعمال سينمائية محددة، مثل أفلام محمد رمضان أو مسلسلات العنف والبلطجة، وكأننا وجدنا أخيراً “كبش الفداء” لكل أخطائنا وتشوهاتنا الاجتماعية.
السؤال الأكثر عمقاً وجرأة ويجب أن نطرحه أولا هو هل الفن حقاً يخلق العنف من العدم، أم أنه مجرد مرآة نرفض أن نرى وجوهنا فيها؟
القول بأن الفن هو المسؤول الأول عن تراجع القيم وزيادة حدة العنف في السنوات الأخيرة ينم عن طرح سطحي يهرب من جذور المشكلة الحقيقية.
الفن عبر التاريخ لم يكن سوى انعكاس للبنية الاجتماعية والنفسية للمجتمع فعندما تنقل الدراما صورة عن العنف أو الانحراف، فهي تستقي مادتها من أزقة الواقع وظواهره الموجودة بالفعل، ولا تبتكرها من الفراغ. وإذا افترضنا جدلاً أن متلقي الفن يتعامل معه بآلية بسيطة ومباشرة تؤدي للتقليد الكلي، فلماذا لا نرى التأثير ذاته ينعكس من آلاف الأعمال السينمائية والتلفزيونية الإيجابية؟ لماذا لم تحولنا عقود من الأفلام التي تمجد الشهامة والنبل والتضحية والتعاطف الإنساني إلى مجتمع من القديسين؟.
الحقيقة التي نخاف من مواجهتها هي أن العنف المتزايد وتغير منظومة الأخلاق في الفترة الأخيرة ناتجان عن تراكمات وتغيرات حادة في عمق المجتمع نفسه. نحن نعيش تحت وطأة ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة تُبقي الفرد في حالة طوارئ نفسية وتوتر دائم. يُضاف إلى ذلك تراجع الدور التربوي والأسري الذي كان يشكل الحصن الأول لبناء القيمة والأخلاق، بالأضافه الى تغلغل وسائل التواصل الاجتماعي بخوارزمياتها التي تتغذى على الاستقطاب والإثارة والانفعال السريع وتغيب الوعي النقدي لدى الأجيال الجديدة.
التلفزيون والسينما لا يكتبان سيناريو الشارع، بل يسجلان لقطاته فقط ولعل اختزال أزماتنا الأخلاقية والاجتماعية في مشاهد سينمائية ليس سوى هروب من المسؤولية لأن محاكمة الشاشة أسهل بكثير من محاكمة الظروف الاقتصادية والتحولات الثقافية وغياب القدوة الحقيقية وتفكك الروابط المجتمعية.
حين نكسر المراية لأن شكلنا لا يعجبنا فنحن لا نصلح العيب بل نغطي أعيننا بأيدينا.. الفن سيبقى دائماً مساحة للتعبير والمكاشفة، ولكي نصلح ما فسد في الشارع علينا أن نبدأ من البيت والمدارس والظروف الحياتية التي تحيط بالإنسان لا من الشاشة التي تعكس صورته.


