في مفارقة لافتة تجمع بين العدالة الدولية وحسابات السياسة، فازت القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، اليوم، بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، بعد مسيرة قضائية وحقوقية امتدت لعقود، وبرزت خلالها في مواجهة جرائم الإبادة الجماعية والدفاع عن سيادة القانون. وجاء التكريم بعد قيادتها لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة، خلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وهو استنتاج رفضته الحكومة الإسرائيلية.
لكن المفارقة لم تتوقف عند منح الجائزة لقاضية ارتبط اسمها بإدانة إسرائيل في أحد أخطر الملفات الحقوقية المعاصرة؛ إذ أضافت بيلاي بُعدًا سياسيًا لافتًا إلى لحظة إعلان فوزها، عندما مازحت بشأن إمكانية تقاسُم الجائزة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أبدى مرارًا رغبته في الحصول على نوبل للسلام.
وبين سجلِّها في محاكمات الإبادة الجماعية، وانتقاداتها لعدم التزام إسرائيل بالقانون الدولي، وتصريحها بشأن ترامب، تطرح قصة بيلاي سؤالًا يتجاوز شخصها: هل تستطيع العدالة الدولية أن تحافظ على استقلالها ومصداقيتها، في عالم تتصادم فيه القواعد القانونية مع مصالح القوى الكبرى؟
«إبادة تحدث أمام العالم»
وفي مقابلة سابقة لها مع صحيفة «الجارديان» البريطانية، استحضرت نافي بيلاي خبرتها في التحقيق بجرائم الإبادة الجماعية في رواندا، مُحذِّرةً من تكرار أنماط التحريض ونزع الإنسانية في سياق الحرب على غزة. وانتقدت تقاعُس المجتمع الدولي رغم وضوح ما يجري، قائلة: كثيرون يسألونني لماذا تتحدثين الآن عن الإبادة؟ نحن نعرف، لقد رأيناها بأعيننا على شاشاتنا. هذه إبادة تحدث في الزمن الحاضر، أمام العالم كله». وشددت على أن «الحظر على الإبادة مُطْلَق»، وأن الدول مُلزَمة قانونيًا بالتحرك لمنعها، معتبرةً أن الامتناع عن التحرك، رغم ظهور أدلة واضحة، قد يعني التواطؤ.
من ديربان إلى المحاكم الدولية.. مسيرة امرأة واجهت التمييز
وُلدت نافانيثيم «نافي» بيلاي في 23 سبتمبر 1941 بمدينة ديربان في جنوب أفريقيا، لعائلة من أصول تاميلية هندية، ونشأت في ظل نظام الفصل العنصري الذي فرض تمييزًا ممنهجًا ضد السكان غير البيض.
اختارت دراسة القانون والعمل في المحاماة، وارتبطت بدايات مسيرتها بالدفاع عن المعتقلين والناشطين الذين واجهوا نظام الفصل العنصري. وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة غير بيضاء تفتتح مكتب محاماة في مقاطعة ناتال، قبل أن تتقدم في مسارها المهني والأكاديمي وتحصل على درجات متقدمة في القانون.
أصبحت، لاحقًا، أول امرأة غير بيضاء تتولى منصب قاضية في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا، ثم انتقلت إلى العمل القضائي الدولي، حيث شاركت في محاكمات تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وتولَّت بيلاي منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014، لتصبح واحدة من أبرز الشخصيات القانونية التي جمعت بين العمل القضائي والخبرة الحقوقية الأممية.
وتعكس هذه المحطات مسارًا تشكَّل في مواجهة التمييز، ثم اتسع ليشمل الدفاع عن مبدأ المساواة أمام القانون، ومحاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة بصرف النظر عن مواقعهم السياسية أو العسكرية.
بيلاي: المحكمة الجنائية الدولية تحت ضغط ترامب المتواصل
في سياق دفاعها عن استقلال المؤسسات الدولية، حذّرت نافي بيلاي من الضغوط المتواصلة التي تتعرض لها المحكمة الجنائية الدولية في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت تواجه فيه منظومة العدالة الجنائية الدولية تحديات متزايدة على خلفية مواقف واشنطن تجاهها. وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل الانتقادات الأمريكية للمحكمة الجنائية الدولية، والعقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على مسؤولين فيها، بما يثير تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات المعنية بمحاسبة مرتكبي الجرائم الدولية على أداء مهامها باستقلالية.
وتتصل هذه القضية مباشرة بمواقف بيلاي من الحرب على غزة؛ إذ ترى أن احترام القانون الدولي لا ينبغي أن يتوقف على إرادة الدول الكبرى أو حساباتها السياسية، وأن مصداقية المحكمة الجنائية الدولية ترتبط بقدرتها على تطبيق المبادئ القانونية بصورة متساوية، بعيدًا عن الضغوط التي قد تدفعها إلى التراجع عن مسؤولياتها في حماية المدنيين ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
نوبل للسلام.. تكريم لسيادة القانون في مواجهة منطق القوة
تُعد جائزة نوبل للسلام واحدة من أبرز الجوائز الدولية، وقد أُنشئت استنادًا إلى وصية المخترع السويدي ألفريد نوبل عام 1895، ومُنحت للمرة الأولى عام 1901. وتُمنَح للأشخاص أو المؤسسات التي تُقدِّم إسهامات بارزة في خدمة السلام، وتعزيز التعاون بين الشعوب، والحد من النزاعات، وترسيخ المبادئ التي تساعد على بناء عالم أكثر استقرارًا.
وتتولى لجنة نوبل اختيار الفائز بالجائزة، التي تُسلّم تقليديًا في العاصمة النرويجية أوسلو في العاشر من ديسمبر من كل عام. وفي إعلان فوز بيلاي لعام 2026، ركزت لجنة نوبل على جهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وإسهامها في ضمان ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. كما سلطت الضوء على دورها في تقوية المؤسسات القانونية الدولية في وقت تتعرض فيه هذه المؤسسات لضغوط وهجمات سياسية.
وبذلك، لم يكن التكريم مرتبطًا بملف غزة وحده، بل بمسيرة طويلة شملت محاكمات رواندا، والعمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة لجنة التحقيق الأممية، والدفاع عن مبدأ أن السلام لا يمكن أن يستمر من دون عدالة تحمي الحقوق.


![]()
العلامات


