توقّفنا في المقال السابق عند جوليان بِندا، الذي رأى أنّ أخطر ما يصيب المثقف ليس القمع بل الإغراء: أن يستبدل بسؤال «ما الحقيقة؟» سؤالَ «ما الذي يخدم جماعتي؟». غير أنّ بِندا شخّص المرض أكثر ممّا شرح آليّته؛ إذ كيف يرى مثقفٌ ذكيّ الحقيقة أمام عينيه ثم يُنكرها؟ وكيف يدافع رجلٌ يعرف الصواب عن خطأ واضح، وهو مقتنعٌ بأنه يُحسن صنعاً؟
جاءت الإجابة بعد بِندا بنحو عقدين من الزمان، من رجلين عاشا التجربة ولم يكتفيا بالتنظير لها: الأول هو البريطاني جورج أورويل، الذي قاتل في الحرب الأهلية الإسبانية ورأى بعينيه كيف تكذب الصحف المعبرة عن معسكره، والثاني هو البولندي تشيسواف ميووش، الذي خدم نظاماً شمولياً لسنوات، ثم غادره ليكتب اعترافه الكبير.

أورويل: الولاء الأصم:
في عام 1945 نشر أورويل مقالته الشهيرة «ملاحظات حول القومية». ولم يقصد هنا بالقومية حبّ الوطن، بل قصد معنىً أوسع وأخطر: وهو أن يتماهى الإنسان مع جماعةٍ ما، حزباً كانت أو طائفةً أو طبقةً أو أيديولوجيا، فيضعها فوق الخير والشرّ، وفوق الحقيقة فلا يعرف واجباً إلا خدمة مصالحها.
ورصد أورويل ثلاث سماتٍ لهذا العقل:
أولًا الهوس: إذ لا يفكّر صاحب هذا العقل ولا يكتب إلا دفاعاً عن جماعته.
ثانيًا التقلّب: أن ينقل العقل ولاءه من قضيةٍ إلى نقيضها بنفس الحماسة دون ان يشعر بأى وخز للضمير .
ثالثًا: اللامبالاة بالواقع: وهي أخطر السمات الثلاث.
فالأفعال عند هذا العقل لا تُحكَم بذاتها، بل بهويّة فاعلها، فتلقي تمويلات من جهات مشبوهة، أو مناصرة جماعة إرهابية، أو تزييف التاريخ، أو التحالف مع أنظمة وجماعات تتصف بالطغيان؛ كلّها تتبدّل قيمتها الأخلاقية بحسب المعسكر الذي ارتكبها.
ثم يلاحظ أورويل ملاحظةً بالغة الدقّة: صاحب هذا الولاء لا يكتفي بتبرير فظائع جماعته، بل يملك قدرةً عجيبة على ألّا يسمع بها أصلاً بل ويصل به الأمر إلى تجميلها وتأويلها وإعادة تدويرها دونما خجل.
ويذهب أورويل أبعد من ذلك، فيرى أنّ الماضي نفسه يُعاد تحريره عند هذا العقل. تُحذَف الوقائع المزعجة، وتُبدَّل التواريخ، ويُعاد تأويل ما لا يمكن إنكاره. وهي الفكرة التي حوّلها بعد سنواتٍ قليلة إلى «وزارة الحقيقة» في روايته «1984»، حيث يصبح القول بأنّ اثنين واثنين يساويان “خمسة” هو اختباراً للولاء.
على أنّ أهمّ ما في مقالة أورويل مناسبة لموضوعنا هو تمييزه بين الوطنية والقومية. فالوطنية عنده تعلّقٌ بمكانٍ وطريقة حياة، وتاريخ مستمر وقديم يجوز بل يجب الدفاع عنه دائما، كما في نفس الوقت، لا يجوز فرضه على أحد.
أمّا الولاء القَبَلي فشهوةٌ للهيمنة باسم الجماعة، ومن هنا المفارقة: فقد يُلحق المنتمي الضرر بوطنه وأهله وهو يظنّ أنه يدافع عنهم، عندما يتبنى رؤية جماعته، لأنه ببساطة لم يعد يرى الوطن، إلا في صورة جماعته وحدها.
ميووش: الكبسولة العجيبة:
«مورتي-بينغ»
في عام 1951 قطع ميووش صلته بالنظام الشيوعي في وارسو، وكان يعمل دبلوماسياً له، وطلب اللجوء في فرنسا، وبعد عامين نشر كتابه «العقل الأسير»، عام 1953 فكتب لا بصفته متفرّجاً، بل شاهداً من الداخل.
استعار ميووش من رواية «النَّهَم» للكاتب البولندي ستانيسواف إغناتسي (1930).
فكرة الحبوب التي يصنعها فيلسوف اسمه مورتي-بينغ، تلك الحبوب التي ما إن يبتلعها الشخص حتى يصير هادئًا راضيًا، وتتلاشى عنده الأسئلة الفلسفية والقلق الوجودي، فيتقبّل كل شئ بسهولة، بل بسعادة.
ويتخلّص من القلق والشكّ، ويصير راضياً مطمئناً، يرى في كلّ ما يجري حوله حكمةً لا تُرَدّ، والغريب أنه لا أحد يُجبَر على ابتلاع تلك الحبوب؛ فالناس يتناولونها طوعاً لأنها تريحهم من عبء التفكير ومن وحشة الاختلاف.
والأيديولوجيا عند ميووش هي هذه الحبوب: التي تمنح المثقف يقيناً جاهزاً، وجماعةً دافئة، وإحساساً بأنه يقف «في الجانب الصحيح من التاريخ». وهنا يلتقي ميووش ببِندا التقاءً كاملاً: في فكرة الإغراء لا الإكراه.
ثم يقدّم ميووش مفهوم «الكِتمان» (Ketman)، وهو مستعار من وصف الرحّالة الفرنسي غوبينو لعادةٍ مشرقية في إظهار غير ما يُبطَن؛ وهو ما نسميه في التاريخ الاسلامي (التقية) فالمثقف يردّد خطاب جماعته، ويُقنع نفسه بأنه يحتفظ في داخله بحرّيته. لكنّ الكتمان مع الوقت لا يبقى قناعاً، بل يأكل الوجه الذي تحته، إلى أن ينتهي به الأمر بعد سنوات من ترديد ذلك الخطاب إلى الإيمان به، أو إلى عدم معرفة بماذا يؤمن.
وهو للأسف ما يحدث لعدد لا بأس به من مثقفينا الأيديولوجيين المتمترسين خلف جماعاتهم وافكارهم .
ثلاثة أطبّاء لمرضٍ واحد:
إذا وضعنا الثلاثة جنباً إلى جنب، اكتملت الصورة. بِندا يحدّد ماذا خان المثقف: الحقيقة والقيم الكونية.. وأورويل يشرح كيف يعمى: حين تُقاس الأفعال بفاعليها لا بذاتها. أمّا ميووش فيكشف لماذا يقبل المثقف هذا العمى: لأنّ الأسر في دفء الجماعة مريح، ولأنّ الحرّية موحشة.
اختبار أورويل:
يضع أورويل في يدنا، ضمناً، اختباراً بسيطاً وقاسياً: هل كنتَ ستتّخذ الموقف نفسه لو أنّ الفعل ذاته ارتكبه خصومك؟
فحين تهبّ جماعةٌ للدفاع عن أعضائها قبل أن تسأل عن الوقائع، وحين يُعدّ كلّ تساؤلٍ خيانة، وكلّ مطالبةٍ بالتبيُّن انحيازاً للخصم، فنحن أمام ما وصفه أورويل بالضبط: ولاءٌ أصم.
وحين يردّد صحفيّون ما تقوله الشِّلّة، وهم يعرفون في قرارة أنفسهم أنّ الصورة أعقد، فنحن أمام «كتمان» ميووش في أوضح صوره.
والحقيقة لم يطلب أحدٌ من المفكرين الثلاثة من المثقف أن يكون بلا انتماء؛ ما طلبوه أن يبقى الانتماء خاضعاً للحقيقة لا العكس.
وقد دفع ميووش نفسه ثمن هذا الخيار: اتّهمه النظام بالخيانة لأنه غادره، ونظر إليه كثيرٌ من المنفيّين بريبةٍ لأنه خدم ذلك النظام يوماً، فعاش سنواتٍ معزولاً بين معسكرين، حتى نال جائزة نوبل للآداب عام 1980.
وذلك هو الثمن الذي حذّر بِندا من أنّ المثقفين يهربون منه: ثمن الاستقلال. ومن لا يقبل دفعه، يدفع ما هو أفدح دون أن يدري؛ يدفع عقله وسمعته وتاريخه.