دخل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة داخل القطاع المصرفي؛ فبدلًا من الاقتصار على تجارب محدودة مثل روبوتات المحادثة وخدمة العملاء، بدأت البنوك الكبرى في توسيع استخدام التكنولوجيا إلى وظائف أساسية في العمل المصرفي.
وتشير النسخة الجديدة من مؤشر Evident AI للبنوك، الصادرة في أكتوبر، إلى أن تبني الذكاء الاصطناعي في القطاع تحرك خلال العام الحالي بوتيرة تقارب ثلاثة أضعاف السنوات السابقة، وهي أسرع وتيرة منذ إطلاق المؤشر.
JPMorgan يتصدر السباق
ويتصدر JPMorgan Chase قائمة أكثر البنوك تقدمًا في الذكاء الاصطناعي عالميًا، بينما جاء Capital One في المركز الثاني وRoyal Bank of Canada في المركز الثالث.
ويعتمد المؤشر على تقييم 50 من أكبر البنوك العالمية من حيث عدة عناصر، بينها المواهب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، الابتكار، القيادة والشفافية.
واللافت أن المنافسة لم تعد مرتبطة فقط بعدد الموظفين المتخصصين في التكنولوجيا، وإنما بقدرة البنك على تحويل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى نتائج فعلية قابلة للقياس.
ماذا يستطيع الـAI أن يفعل داخل البنك؟
الذكاء الاصطناعي يمكنه معالجة كميات ضخمة من البيانات في وقت قصير، وهو ما يفتح المجال أمام البنوك لتحسين تقييم المخاطر الائتمانية، اكتشاف العمليات غير الطبيعية، تحليل سلوك العملاء، وأتمتة عدد كبير من المهام التي كانت تحتاج إلى تدخل بشري.
وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد في كلمة أُلقيت اليوم إن الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح مستخدمًا بالفعل على نطاق واسع في القطاع المالي؛ إذ تستخدمه نحو 9 من كل 10 بنوك كبيرة في منطقة اليورو، بينما تتوقع 7 من كل 10 شركات في أسواق الأوراق المالية الأوروبية زيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي.
هل الـAI سيأخذ وظائف البنوك؟
المثير أن التحول لا يعني بالضرورة أن البنوك تتجه إلى الاستغناء عن الموظفين بشكل جماعي.
فمؤشر Evident يشير إلى أن البنوك الأكثر تقدمًا في الذكاء الاصطناعي لا تزال تستثمر في توظيف متخصصين في التكنولوجيا والـAI، بينما يتحول جزء من العمل البشري من تنفيذ المهام الروتينية إلى إدارة الأنظمة وتحليل النتائج واتخاذ القرارات.
وفي الوقت نفسه، بدأت بعض البنوك في إعادة هيكلة وظائف معينة بالتزامن مع إدخال الذكاء الاصطناعي؛ إذ أعلنت HSBC خططًا لتقليص عدد كبير من الوظائف في قطاع إدارة الثروات البريطاني ضمن توجه أوسع لدمج الذكاء الاصطناعي في العمليات.
المعركة الحقيقية: مين يحقق عائدًا من الـAI؟
وهنا يتغير السؤال بالنسبة للبنوك: لم يعد “هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟”، وإنما “هل نستطيع تحقيق عائد اقتصادي حقيقي منه؟”.
فالبنك الذي يستطيع استخدام التكنولوجيا لتقليل تكلفة العمليات، وتحسين اكتشاف المخاطر، وتسريع الخدمات وتطوير منتجات أكثر دقة، يمكن أن يحصل على ميزة تنافسية كبيرة.
وفي المقابل، فإن الاستثمار في التكنولوجيا وحده لا يضمن النجاح؛ لأن البنوك تحتاج أيضًا إلى إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، وحماية بيانات العملاء، والتأكد من أن القرارات الآلية يمكن مراقبتها ومراجعتها.
وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تكنولوجية داخل البنك إلى عامل اقتصادي يؤثر في تكلفة التشغيل، والإيرادات، والوظائف، وحتى قدرة البنك على المنافسة.


