يضع اقتراب اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري الأسواق أمام اختبار جديد، في ظل تحرك الدولار قرب مستوى 56 جنيهًا، وتراجع التضخم السنوي خلال سبتمبر، واستمرار التوترات الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على تدفقات الاستثمار الأجنبي.
وبينما تتجه تقديرات عدد من الخبراء والمؤسسات المالية إلى تثبيت أسعار الفائدة، يواجه البنك المركزي معادلة دقيقة تجمع بين احتواء الضغوط التضخمية والحفاظ على جاذبية الاستثمار بالجنيه، دون زيادة أعباء التمويل على الشركات والمواطنين.

وتترقب الأسواق قرار البنك المركزي المقرر الخميس 29 أكتوبر 2026، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كان سيواصل تثبيت الفائدة انتظارًا لاتضاح أثر تحركات سعر الصرف على الأسعار، أم أن التطورات الاقتصادية ستدفعه إلى تغيير مسار السياسة النقدية.
وتستعرض «يوليو» توقعات قرار البنك المركزي بشأن الفائدة، وسط ترجيحات بالتثبيت، واقتراب الدولار من 56 جنيهًا، وتراجع التضخم السنوي إلى 13.9%.

ضغوط جديدة على حسابات المركزي

شهد سعر الدولار، تحركات متقلبة خلال أكتوبر، بعدما تجاوز مستوى 56 جنيهًا، قبل أن يتراجع في عدد من البنوك خلال تعاملات الثلاثاء 27 أكتوبر، وسجل الدولار لدى البنك المركزي المصري نحو 56.06 جنيه للشراء و56.20 جنيه للبيع، وفقًا للأسعار الواردة.

وفي البنوك، بلغ سعر الدولار في البنك الأهلي المصري وبنك مصر نحو 56.07 جنيه للشراء و56.17 جنيه للبيع، بينما سجل في بنك الإسكندرية 55.97 جنيه للشراء و56.07 جنيه للبيع. ووصل السعر في مصرف أبوظبي الإسلامي إلى 56.25 جنيه للشراء و56.35 جنيه للبيع.

وتزيد تحركات الدولار من حساسية قرار الفائدة، إذ قد يؤدي ارتفاع العملة الأمريكية إلى زيادة تكلفة الواردات ومدخلات الإنتاج، بما ينعكس على أسعار السلع والخدمات محليًا، لكن انتقال أثر تغيرات سعر الصرف إلى التضخم يختلف بحسب طبيعة السلع وتوقيت الاستيراد وحجم المنافسة في السوق.

أسعار الفائدة في مصر.. ماذا يقرر البنك المركزي؟

تعقد لجنة السياسة النقدية اجتماعها السابع خلال عام 2026 يوم الخميس 29 أكتوبر، لتحديد أسعار الفائدة الأساسية، في اجتماع يحظى بمتابعة واسعة من المستثمرين والمدخرين والشركات.

وكان البنك المركزي قد أبقى في اجتماعه السابق، المنعقد في 24 سبتمبر، على سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر الإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم عند 19.5%.

وجاء ذلك بعد خفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في فبراير 2026، فيما بلغ إجمالي التخفيضات منذ بداية دورة التيسير النقدي في عام 2025 نحو 825 نقطة أساس، وفقًا للبيانات الواردة.

ويواجه البنك المركزي ثلاثة مسارات رئيسية: تثبيت الفائدة لمراقبة التطورات، أو رفعها لمواجهة ضغوط التضخم ودعم جاذبية الادخار بالجنيه، أو خفضها لتقليل تكلفة التمويل وتحفيز النشاط الاقتصادي.

لكن كل خيار يحمل آثارًا مختلفة؛ فرفع الفائدة قد يزيد تكلفة الاقتراض وخدمة الدين، بينما يحتاج خفضها إلى ثقة أكبر في استدامة تراجع التضخم واحتواء مخاطر سعر الصرف.

لماذا يرجح الخبراء تثبيت الفائدة؟

ترى الدكتورة حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، أن تجاوز الدولار مستوى 56 جنيهًا لا يمثل وحده سببًا كافيًا لرفع أسعار الفائدة بصورة فورية، خاصة في ظل استمرار جاذبية العائد على أدوات الدين الحكومية مقارنة بمعدلات التضخم.

ويعزز هذا التقدير اتجاه التريث، إذ يقارن المستثمرون بين العائد المتوقع على أدوات الدين والمخاطر المرتبطة بتحركات سعر الصرف، وليس بسعر الفائدة الأساسي وحده.

من جانبه، قال الدكتور السيد خضر، الخبير الاقتصادي، إن قرار البنك المركزي يأتي في ظل ضغوط متباينة بين ارتفاع الدولار وتراجع معدل التضخم السنوي، وهو ما يتطلب تقييم المؤشرات الاقتصادية بحذر قبل اتخاذ أي قرار جديد.

وأضاف خضر، في تصريحات لـ«يوليو»، أن تثبيت الفائدة يظل أحد السيناريوهات المطروحة، مع الحاجة إلى مراقبة انعكاس ارتفاع سعر الصرف على أسعار السلع والخدمات، ومدى استمرار جاذبية الاستثمار في أدوات الدين المصرية، في ظل التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على حركة رؤوس الأموال.

وأوضح أن التحدي يتمثل في تحقيق التوازن بين احتواء التضخم والحفاظ على استقرار الجنيه، دون زيادة تكلفة الاقتراض على الشركات والمواطنين، مشيرًا إلى أن اتجاه الدولار ومدى انتقال تأثيره إلى الأسعار سيكونان من العوامل المؤثرة في قرار السياسة النقدية.
ويرى الخبير المصرفي محمد بدرة أن استمرار سحب فائض السيولة قد يدعم سيناريو تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع المرتقب، لحين اتضاح انعكاسات تحركات سعر الصرف على الأسعار المحلية.

العائد على أذون الخزانة.. ورقة مؤثرة في قرار الفائدة

تظل عوائد أدوات الدين الحكومية أحد العناصر المهمة في حسابات البنك المركزي والمستثمرين، إذ تتراوح عوائد أذون الخزانة، وفقًا للبيانات الواردة، بين 25% و26%، وهي مستويات أعلى من معدل التضخم السنوي المسجل في المدن المصرية خلال سبتمبر.

وتشير تقديرات إحدى المؤسسات المالية إلى أن العائد على أذون الخزانة لأجل 364 يومًا بلغ نحو 25.91% في أحدث طرح تناولته، مع تقدير العائد الحقيقي بنحو 10.5% وفق افتراضات تتعلق بالضرائب وتوقعات التضخم خلال عام 2027.

كما خُفضت توقعات متوسط التضخم خلال الربع الأخير من 2026 إلى 13% بدلًا من 14.5%، في حين ارتفعت تقديرات متوسط التضخم خلال 2027 إلى 11.5% مقابل 10.9% سابقًا.

وتعكس هذه التقديرات استمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار الأسعار، رغم التراجع المسجل في التضخم السنوي. كما أن رفع الفائدة قد يزيد تكلفة التمويل على الشركات وأعباء خدمة الدين العام، دون أن يعالج بالضرورة العوامل الخارجية التي تضغط على سعر الدولار.

التضخم يتراجع سنويًا.. لكن الضغوط الشهرية مستمرة

أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 13.9% خلال سبتمبر 2026، مقابل 14.5% في أغسطس، كما انخفض معدل التضخم الأساسي، الذي يحسبه البنك المركزي، إلى 14.1% مقابل 14.9% خلال الشهر السابق.

لكن الصورة تبدو أكثر تعقيدًا عند النظر إلى التغير الشهري؛ إذ ارتفع التضخم إلى 1.3% في سبتمبر، مقارنة بنحو 0.1% في أغسطس، ما يشير إلى استمرار ضغوط على بعض الأسعار رغم انخفاض المعدلات السنوية.

ويمنح تراجع التضخم السنوي البنك المركزي مساحة للتريث، لكنه لا يحسم اتجاه القرار، خصوصًا مع مخاطر انتقال ارتفاع الدولار إلى تكلفة الاستيراد والإنتاج خلال الفترة المقبلة.

لذلك، لا تتوقف حسابات لجنة السياسة النقدية على قراءة التضخم وحدها، بل تشمل أيضًا استدامة تراجعه، وحركة السيولة والطلب المحلي، وتطورات سعر الصرف والتدفقات المالية الخارجية.

سحب السيولة من البنوك.. أداة إضافية لإدارة الضغوط

تزامن تحرك الدولار مع سحب البنك المركزي المصري سيولة بقيمة 705.118 مليار جنيه من 13 بنكًا عبر عطاء السوق المفتوحة، بسعر فائدة بلغ 19.5%، وفقًا للبيانات الواردة.

ويستخدم البنك المركزي عمليات إدارة السيولة للتأثير في حجم الأموال المتاحة داخل الجهاز المصرفي، بما يساعد على ضبط الأوضاع النقدية والحد من الضغوط التضخمية عند الحاجة.

ماذا يعني قرار الفائدة للمواطن والمستثمر؟

تتجاوز آثار قرار البنك المركزي أسواق المال لتصل إلى المدخرين والمقترضين والشركات، وإن كان حجم التأثير يختلف وفقًا لسياسات كل بنك وطبيعة المنتجات المصرفية.

في حالة تثبيت الفائدة: تبقى أسعار الفائدة الأساسية دون تغيير، بينما تظل قرارات تعديل عوائد الشهادات والودائع خاضعة لسياسات البنوك وظروف السيولة والمنافسة.

في حالة رفع الفائدة: قد ترتفع عوائد بعض أدوات الادخار، لكن تكلفة الاقتراض والتمويل قد تزيد على الشركات والأفراد.

في حالة خفض الفائدة: قد تنخفض تكلفة التمويل وتتحسن فرص التوسع والاستثمار، لكن القرار يتطلب مراعاة مخاطر التضخم وسعر الصرف.

أما بالنسبة للجنيه، فلا يضمن رفع الفائدة وحده استقرار سعر الصرف، إذ تتأثر العملة أيضًا بتدفقات الاستثمار الأجنبي، وحركة التجارة، وتكلفة الواردات، والتطورات الجيوسياسية.

تثبيت الفائدة هو السيناريو الأرجح.. والقرار النهائي بيد المركزي

مع اقتراب اجتماع 29 أكتوبر، تتجه تقديرات عدد من الخبراء والمؤسسات المالية إلى ترجيح تثبيت أسعار الفائدة، في ظل تراجع التضخم السنوي واستمرار جاذبية العائد على أدوات الدين، مقابل الضغوط التي يفرضها ارتفاع الدولار والمخاطر الخارجية.

لكن هذا الترجيح لا يعني حسم القرار مسبقًا؛ إذ ستعتمد لجنة السياسة النقدية على تقييم مجمل المؤشرات الاقتصادية، ومدى احتمال انتقال تحركات سعر الصرف إلى الأسعار المحلية، واستدامة تراجع التضخم.

ويتمثل الاختبار الأهم أمام البنك المركزي في الحفاظ على توازن دقيق بين استقرار الأسعار وجاذبية الاستثمار بالجنيه من جهة، وتجنب زيادة أعباء التمويل على الشركات والمواطنين من جهة أخرى، بينما تترقب الأسواق اتجاه الدولار ومسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.