في جنوب أفريقيا، حيث عاش السود لعقود تحت نظام الفصل العنصري، بدأت قصة نافي بيلاي، المحامية التي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أبرز الشخصيات في مجال العدالة الدولية.
وُلدت نافانيثيم بيلاي، المعروفة باسم نافي بيلاي، في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا عام 1941، لعائلة من أصول تاميلية هندية. ونشأت في مجتمع كان التمييز العرقي جزءًا من قوانينه ومؤسساته، وهو ما ترك أثرًا واضحًا على مسارها المهني والحقوقي.
اختارت بيلاي دراسة القانون، وبدأت العمل محامية في وقت كانت فيه مواجهة سياسات الفصل العنصري تعني الدخول في صراع مع منظومة سياسية وقانونية كاملة.

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تؤسس مكتب محاماة في إقليم ناتال، قبل أن تتولى الدفاع عن نشطاء مناهضين للفصل العنصري، وتعمل على حماية حقوق السجناء السياسيين.
لم تكن هذه المرحلة مجرد بداية لمهنة قانونية، بل كانت الأساس الذي تشكلت عليه رؤيتها بشأن دور القانون في مواجهة السلطة، وهي الفكرة التي رافقتها لاحقًا في المحاكم الدولية.

من المحاكم المحلية إلى محاسبة مرتكبي الإبادة الجماعية
مع انتهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، اتسع دور بيلاي من الدفاع عن الحقوق داخل بلادها إلى المشاركة في مؤسسات العدالة الدولية.
وفي عام 1995، أصبحت أول امرأة سوداء تُعيّن قاضية في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا، قبل أن تنضم إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، التي أُنشئت لمحاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية التي شهدتها البلاد عام 1994.
وكانت تجربتها في المحكمة الرواندية من أبرز المحطات في مسيرتها، إذ ساهمت في مرحلة شهدت تطورات قانونية مهمة بشأن الجرائم الدولية، وعلى رأسها الاعتراف بأن الاغتصاب والعنف الجنسي يمكن أن يشكّلا جريمة إبادة جماعية إذا توافرت الشروط القانونية اللازمة.
وفي حكم تاريخي صدر عام 1998 في قضية جان بول أكاييسو، أرسى القضاء الدولي سابقة مهمة في التعامل مع العنف الجنسي بوصفه أحد الأفعال التي قد تدخل ضمن جريمة الإبادة الجماعية.
وهنا اكتسبت مسيرة بيلاي بُعدًا يتجاوز ملاحقة مرتكبي الجرائم بعد وقوعها، إلى تطوير القواعد القانونية التي يمكن استخدامها لمحاسبتهم.

ست سنوات في المحكمة الجنائية الدولية
بين عامي 2003 و2008، عملت بيلاي قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، وهي المؤسسة التي أُنشئت لمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم دولية خطيرة، من بينها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
وتكتسب المحكمة أهمية خاصة لأنها تستهدف المسؤولية الجنائية للأفراد، وليس مسؤولية الدول وحدها، مع خضوع اختصاصها لقواعد قانونية محددة.
وخلال هذه المرحلة، كانت العدالة الدولية تواجه اختبارًا أساسيًا: كيف يمكن تحويل المبادئ المكتوبة في الاتفاقيات الدولية إلى محاكمات فعلية، في عالم تتداخل فيه الحسابات السياسية مع النزاعات المسلحة؟
وتكشف هذه التجربة عن أحد المحاور الأساسية في مسيرة بيلاي، وهو إصرارها على أن المناصب السياسية أو العسكرية لا ينبغي أن تمنح أصحابها حصانة مطلقة من المساءلة القانونية.
لكن عمل المحكمة ظل موضع خلاف مع دول ترى أن بعض تحركاتها تمس سيادتها أو تتجاوز حدود اختصاصها، وهو خلاف لا يزال حاضرًا في النقاشات الدولية حتى اليوم.

من لاهاي إلى الأمم المتحدة.. الدفاع عن حقوق الإنسان
في عام 2008، تولت بيلاي منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، واستمرت فيه حتى عام 2014.
وخلال هذه السنوات، كانت مسؤولة عن قيادة المفوضية الأممية المعنية بتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، في فترة شهدت أزمات سياسية وإنسانية واسعة، من بينها انتفاضات الربيع العربي والنزاعات التي أعقبتها.
وفي هذا المنصب، لم يقتصر دورها على متابعة الانتهاكات، بل شمل الدعوة إلى حماية المدنيين، ومساءلة المسؤولين عن الجرائم الخطيرة، وتعزيز قدرة المؤسسات الدولية على توثيق الانتهاكات.
وتُظهر هذه المرحلة انتقال بيلاي من قاعة المحكمة إلى مساحة أوسع من العمل الدولي، حيث تتقاطع حقوق الإنسان مع الدبلوماسية والسياسة ومصالح الدول.
كما تعكس صعوبة المهمة التي تواجه المؤسسات الأممية: فهي مطالبة بالدفاع عن قواعد يفترض أن تكون عالمية، بينما تعتمد قدرتها على التحرك بدرجة كبيرة على تعاون الدول الأعضاء.

غزة.. المحطة الأكثر إثارة للجدل في مسيرتها
في السنوات الأخيرة، عاد اسم نافي بيلاي إلى الواجهة الدولية من بوابة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
فبين عامي 2021 و2025، ترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل.
وفي سبتمبر 2025، خلصت اللجنة إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، مستندة إلى تحليل أفعال قالت إنها تندرج ضمن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وإلى تقييمها للأدلة المتعلقة بالأفعال والنية.
وقد رفضت إسرائيل هذه الاتهامات بشدة، وانتقدت نتائج اللجنة، ما جعل التقرير جزءًا من مواجهة سياسية وقانونية أوسع حول الحرب في غزة ومسؤولية الأطراف المتحاربة.
ومن المهم هنا التمييز بين نتيجة لجنة التحقيق الأممية وبين حكم قضائي نهائي؛ فاللجنة جهة تحقيق تابعة للأمم المتحدة، وليست محكمة تصدر أحكامًا جنائية على الدول أو الأفراد.
ومع ذلك، أعادت نتائجها طرح أسئلة جوهرية حول حماية المدنيين، وإمكانية محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وحدود قدرة النظام الدولي على منع الجرائم الجماعية أو وقفها.
وهذه المحطة تحديدًا تجعل تكريم بيلاي محل اهتمام يتجاوز سيرتها الشخصية، لأنه يأتي في قلب خلاف دولي حاد بشأن القانون الدولي والحرب في غزة.

نوبل السلام 2026.. لماذا اختارتها اللجنة؟
في 9 أكتوبر 2026، أعلنت لجنة نوبل النرويجية فوز نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام، تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي.
وبررت اللجنة اختيارها بمسيرتها الطويلة في دعم نظام قانوني دولي أكثر شمولًا، وبمساهماتها في تعزيز محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وأشارت اللجنة إلى أن القانون الدولي يواجه ضغوطًا متزايدة، وأن حماية المؤسسات القضائية المستقلة تظل ضرورية لمنع تحول القوة العسكرية والسياسية إلى بديل عن القواعد القانونية.
وبذلك، لم يكن التكريم متعلقًا بمحطة واحدة في حياة بيلاي، بل بمسار ممتد من العمل الحقوقي والقضائي، بدأ في جنوب أفريقيا واستمر داخل المحاكم الدولية والأمم المتحدة.
وتأتي الجائزة أيضًا في توقيت يشهد خلافات حادة حول المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك العقوبات الأمريكية المفروضة على مسؤولين في المحكمة، على خلفية تحركاتها المتعلقة بإسرائيل.
وفي هذا السياق، تحمل الجائزة رسالة سياسية وقانونية واضحة بشأن أهمية استقلال القضاء الدولي، حتى وإن ظلت قدرة المؤسسات الدولية على تنفيذ قراراتها موضع اختبار مستمر.

هل تنتصر العدالة الدولية على حسابات القوة؟
تفتح جائزة نوبل السلام لبيلاي بابًا لنقاش أكبر من مسيرة امرأة عملت لعقود في القانون وحقوق الإنسان.
فالقضية الأساسية التي تواجه العدالة الدولية ليست فقط القدرة على توثيق الجرائم أو تحديد المسؤولية عنها، وإنما القدرة على تحويل النتائج القانونية إلى خطوات عملية، في ظل اختلاف موازين القوى ومواقف الحكومات.
وتظل هناك فجوة بين المبادئ التي ينص عليها القانون الدولي وبين تطبيقها على أرض الواقع، خصوصًا عندما تتعلق القضايا بدول تمتلك نفوذًا سياسيًا أو عسكريًا واسعًا.
لكن مسيرة بيلاي تقدم مثالًا على الكيفية التي يمكن بها للعمل القضائي أن يساهم في تطوير القانون، وإثبات مسؤوليات قانونية، وإعطاء الضحايا مساحة للمطالبة بالعدالة.
وبين التكريم الدولي والاعتراضات السياسية، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع المؤسسات الدولية حماية القانون عندما يصطدم بمصالح القوى الكبرى، أم تظل العدالة رهينة موازين القوة؟


