في شتاء عام 1914، وبعد أشهر قليلة فقط من اندلاع الحرب العالمية الأولى، حدث شيء لم يكن موجودًا في خطط الجنرالات ولا على طاولات الحكومات، على أجزاء من الجبهة الغربية، خرج جنود بريطانيون وألمان من خنادقهم ليلة عيد الميلاد، وتوقفت النيران بصورة غير رسمية في عدد من المواقع.
تبادل بعض الجنود التحية والهدايا البسيطة، وساعدوا في دفن القتلى، قبل أن يعود معظمهم إلى مواقعهم وتستأنف الحرب بعد فترة قصيرة.
لم تكن هدنة الميلاد اتفاقًا سياسيًا أو وقفًا عامًا لإطلاق النار، بل سلسلة من التفاهمات العفوية والمحدودة بين جنود أنهكتهم أشهر القتال والبرد وحياة الخنادق، ولم تشمل الجبهة كلها، كما استمر القتال في مناطق أخرى. لكنها بقيت واحدة من أشهر لحظات التوقف المؤقت في تاريخ الحروب الحديثة.
بعد أكثر من قرن، يعود الشتاء ليضغط على حرب أوروبية جديدة، لكن هذه المرة، لا يدور الحديث عن جنود يخرجون من الخنادق، وإنما عن روسيا وأوكرانيا اللتين تواجهان موسمًا جديدًا من حرب أصبحت فيها الكهرباء والغاز والنفط جزءًا من ميدان القتال نفسه.
الفارق بين المشهدين هائل، لكن الرابط بينهما واضح، كلما طال أمد الحرب ودخل الشتاء، ترتفع تكلفة استمرار القتال، ففي الحرب العالمية الأولى، كان البرد يعني خنادق موحلة، وملابس مبتلة، وصعوبة في الإمدادات، وجنودًا يقضون أسابيع تحت ظروف قاسية.
أما في حرب روسيا وأوكرانيا، فلم يعد الشتاء يضغط على الجنود وحدهم، اليوم، يمكن لضربة واحدة على محطة كهرباء أو منشأة غاز أن تمتد آثارها إلى مدينة كاملة؛ من المنازل إلى المستشفيات، ومن شبكات المياه إلى التدفئة والنقل والصناعة.
لهذا تحولت منشآت الطاقة خلال الحرب إلى واحدة من أكثر ساحات المواجهة حساسية، وموسكو تستهدف البنية التحتية الأوكرانية، فيما ترد كييف بضربات على مصافي ومنشآت نفطية داخل روسيا، ومع اقتراب الشتاء، يصبح استمرار هذه الضربات أكثر كلفة على الطرفين.
وظهرت فكرة يمكن وصفها بهدنة الشتاء الفكرة المطروحة لا تعني وقف الحرب بالكامل، ولا انسحاب القوات من الجبهات، وإنما التوصل إلى تفاهم محدود يمنع أو يقلل استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن في سبتمبر استعداد كييف للتصرف بالمثل، إذا توقفت روسيا عن استهداف منظومة الطاقة الأوكرانية، يمكن لأوكرانيا الامتناع عن ضرب منشآت الطاقة والصادرات الروسية، وبالنسبة لكييف، تبدو المسألة شديدة الحساسية قبل انخفاض درجات الحرارة، خصوصًا مع استمرار الاستعدادات لحماية منشآت الكهرباء والسكك الحديدية والبنية التحتية الحيوية من موجة جديدة من الهجمات.
لكن المسار لم يتحول حتى الآن إلى هدنة شاملة ونافذة، فموسكو وكييف لا تزالان مختلفتين حول شكل أي تفاهم وحدوده، بينما تحاول واشنطن دفع المفاوضات نحو إجراءات لخفض التصعيد تشمل قطاع الطاقة والملاحة في البحر الأسود.
في الحرب العالمية الأولى، جاءت هدنة الميلاد من أسفل، من جنود قرروا في أجزاء من الجبهة أن يصمت السلاح لساعات، أما اليوم، فتحاول الدبلوماسية الوصول إلى تفاهم من أعلى، ليس بالضرورة لإنهاء الحرب، وإنما لمنع أحد أخطر أسلحتها الشتوية، ضرب الطاقة والبنية الأساسية.
فقبل أكثر من قرن، كان الهدف أن يحصل الجنود على ساعات بعيدًا عن الرصاص، واليوم الهدف المحتمل هو أن تستمر الكهرباء في المنازل، وأن تظل محطات التدفئة والمياه تعمل، وألا يتحول انخفاض درجات الحرارة إلى عنصر إضافي في الحرب.
التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، وهدنة 1914 تختلف جذريًا في ظروفها عن المقترحات المطروحة اليوم بين موسكو وكييف، لكن المشهدين يجتمعان عند حقيقة واحدة، الحرب قد تستمر رغم الشتاء، لكن الشتاء يرفع كلفتها إلى درجة تدفع الخصوم أحيانًا إلى البحث عن مساحة، ولو محدودة، يصمت فيها السلاح.


