قد يبدو صعود عوائد السندات خبرًا يخص المستثمرين فقط، لكنه في الحقيقة يمس الاقتصاد العالمي بالكامل.

فالسندات الحكومية، خصوصًا الأمريكية، تُستخدم كمرجع لتسعير تكلفة الاقتراض في أسواق عديدة، ولذلك فإن ارتفاع عوائدها يعني أن الحكومات والشركات والأسر قد تواجه تكلفة أعلى للحصول على التمويل.

وفي 8 أكتوبر، ارتفع عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى نحو 5.31%، بعدما لامس في اليوم السابق أعلى مستوى له في نحو 24 عامًا، بينما ارتفع عائد السندات لأجل 30 عامًا إلى نحو 5.67%.

بريطانيا تكشف حجم المشكلة

الصورة تصبح أكثر وضوحًا في بريطانيا.

ففي 8 أكتوبر، قفز عائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات إلى 5.527%، وهو أعلى مستوى منذ يوليو 2007.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ وصل عائد السندات البريطانية لأجل 20 عامًا إلى 6%، بينما تجاوز عائد السندات لأجل 30 عامًا 6% أيضًا، في ظل موجة بيع عالمية للسندات.

والسبب المباشر هذه المرة ليس عاملًا ماليًا واحدًا؛ ارتفاع أسعار النفط يزيد مخاوف التضخم، بينما يظل المستثمرون قلقين بشأن مستويات الدين والإنفاق الحكومي.

المشكلة الأكبر: الحكومات تحتاج إلى الاقتراض

الحكومات لا تستطيع ببساطة التوقف عن إصدار السندات.

فعندما يكون لديها عجز في الموازنة أو ديون قديمة تستحق السداد، تحتاج إلى إصدار ديون جديدة لتمويل احتياجاتها أو إعادة تمويل الديون السابقة.

لكن عندما يطلب المستثمرون عائدًا أعلى لشراء هذه السندات، تصبح عملية الاقتراض نفسها أكثر تكلفة.

وهنا تظهر الحلقة الصعبة:

دين أكبر → اقتراض أكبر → عوائد أعلى → تكلفة خدمة دين أكبر → ضغط أكبر على الموازنة.

والأزمة لا تتعلق بالولايات المتحدة وحدها؛ فقد تعرضت أسواق السندات الأوروبية أيضًا لضغوط، وكانت فرنسا في قلب المخاوف، مع انتقال المستثمرين إلى السندات التي يرونها أكثر أمانًا.

والذكاء الاصطناعي دخل على الخط

المفاجأة أن الحكومات ليست وحدها التي تطلب الأموال.

شركات التكنولوجيا العملاقة تنفق مئات المليارات لبناء مراكز البيانات وشراء الرقائق وتوسيع البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي.

وبحسب بيانات LSEG التي أوردتها رويترز، أصدرت خمس من أكبر شركات الذكاء الاصطناعي والبنية السحابية — Alphabet وAmazon وMeta وMicrosoft وOracle — نحو 220 مليار دولار من الديون خلال 2026 لتمويل استثماراتها في مراكز البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي، وهو أكثر من ضعف ما أصدرته هذه الشركات في العام السابق.

وهنا تظهر منافسة غير معتادة على الأموال: الحكومات تقترض، وشركات التكنولوجيا تقترض، والمستثمرون يطلبون عائدًا أعلى.

النفط يزيد الضغط

في 8 أكتوبر، قفز سعر خام برنت بنحو 5% متجاوزًا 105 دولارات للبرميل، مع تصاعد المخاوف بشأن إمدادات الطاقة بعد الهجمات على حركة الشحن في الخليج ومضيق هرمز.

ارتفاع النفط يعني أن الأسواق تخشى عودة التضخم بقوة، وبالتالي يصبح المستثمر أكثر تمسكًا بعوائد مرتفعة على السندات طويلة الأجل وهكذا تلتقي ثلاث قوى في وقت واحد:

ارتفاع أسعار الطاقة + ارتفاع الديون + زيادة احتياجات التمويل.

وهذا هو ما يجعل موجة بيع السندات الحالية أكثر أهمية من مجرد تحرك يومي في الأسواق.

وماذا يعني ذلك لمصر؟

مصر ليست معزولة عن سوق السندات العالمي.

فعندما ترتفع عوائد السندات الأمريكية، يصبح المستثمر العالمي أمام فرصة للحصول على عائد مرتفع نسبيًا من الأصول الأمريكية، ما قد يزيد المنافسة على تدفقات الاستثمار في الأسواق الناشئة.

وفي المقابل، ارتفاع تكلفة التمويل عالميًا يجعل أي دولة أو شركة تحتاج إلى الاقتراض الخارجي أكثر حساسية لتحركات الأسواق العالمية.

لكن التأثير لا يتوقف عند التمويل؛ فارتفاع النفط أيضًا يمكن أن يضغط على تكلفة النقل والطاقة والاستيراد، بينما تؤثر تحركات الدولار والعوائد الأمريكية في تدفقات رؤوس الأموال وأسعار الأصول عالميًا.

هل نحن أمام أزمة ديون جديدة؟ ليس بالضرورة.

حتى الآن، ما يحدث لا يعني أن الأسواق دخلت أزمة مالية شبيهة بأزمة 2008 لكن الإشارة المهمة هي أن هامش الخطأ أصبح أضيق.

فالأسواق تواجه في الوقت نفسه مستويات دين مرتفعة، وتكاليف اقتراض أعلى، وأسعار طاقة متقلبة، وإنفاقًا ضخمًا على الذكاء الاصطناعي.

وفي تحليل لرويترز في 8 أكتوبر، وُصفت أسواق الأسهم والسندات الأمريكية بأنها تبدو ممتدة بصورة كبيرة، مع تحذير من أن ارتفاع «علاوة الأجل» التي يطلبها المستثمرون لحيازة السندات طويلة الأجل قد يصبح عامل ضغط على الأسواق.

القصة الحقيقية ليست في السندات وحدها

ما يحدث في سوق السندات يكشف تحولًا أوسع في الاقتصاد العالمي.

خلال سنوات، كان المال الرخيص يساعد الحكومات والشركات على الاقتراض والإنفاق والتوسع.

أما الآن، فالمستثمرون يطالبون بعائد أكبر مقابل تحمل مخاطر التضخم والدين وعدم اليقين.