قد يحصل شخص على 5 آلاف جنيه من راتبه، ويحصل على 5 آلاف جنيه أخرى كمكافأة أو هدية، ورغم أن القيمة واحدة، فإن طريقة إنفاقه للمبلغين قد تكون مختلفة تمامًا.
هذا السلوك يُعرف في الاقتصاد السلوكي باسم «المحاسبة الذهنية»، وهي فكرة تقوم على أن الإنسان لا يتعامل مع أمواله باعتبارها رقمًا واحدًا في حسابه، وإنما يقسمها ذهنيًا إلى «خانات» مختلفة وفقًا لمصدرها أو الغرض المخصص لها.
ودراسة جديدة شملت 5,589 مشاركًا من 21 دولة اختبرت مدى استمرار هذه الظاهرة، ووجدت أدلة تدعم أن الناس ما زالوا يتخذون قرارات مالية تتأثر بالطريقة التي يصنفون بها الأموال ذهنيًا.
لماذا ننفق المكافأة بسهولة أكبر؟
المثال الأشهر أن الشخص قد يرى راتبه باعتباره «مالًا ضروريًا» مخصصًا للإيجار والطعام والفواتير، بينما يتعامل مع مكافأة أو مبلغ غير متوقع باعتباره «مالًا إضافيًا».
وهنا يمكن أن يصبح إنفاق المبلغ الإضافي أسهل نفسيًا، حتى لو كان من الناحية الحسابية لا يختلف عن المال الموجود في الحساب أصلًا.
وهذا لا يعني أن الإنسان يتصرف بطريقة غير عقلانية دائمًا، لكن قراراته المالية لا تعتمد على الأرقام وحدها؛ بل تتأثر أيضًا بالطريقة التي يعطي بها عقلُه معنى لكل مبلغ.
وماذا عن المصريين؟
الفكرة مهمة في السوق المصري لأن المستهلك لا يتعامل مع كل دخله بالطريقة نفسها.
فقد يكون هناك جزء من الدخل مخصصًا للالتزامات الأساسية، بينما يُنظر إلى العلاوات أو المكافآت أو الأموال التي تأتي بشكل غير منتظم باعتبارها مساحة أكبر للإنفاق على الملابس أو الترفيه أو المشتريات المؤجلة.
وهذا يساعد على تفسير سبب اختلاف سلوك المستهلك حتى عندما تكون القوة الشرائية متقاربة: مصدر المال نفسه قد يغير طريقة التفكير فيه.
لماذا تهتم الشركات بهذا السلوك؟
لأن فهم الطريقة التي يصنف بها المستهلك أمواله يمكن أن يساعد الشركات على فهم توقيت الشراء، وليس فقط قدرة العميل على الدفع.
فالمستهلك قد يؤجل شراء منتج من دخله الأساسي، ثم يصبح أكثر استعدادًا لشرائه عندما يحصل على مكافأة أو دخل إضافي، رغم أن وضعه المالي العام لم يتغير بالقدر نفسه.
وهنا تتحول دراسة طريقة تفكير المستهلك إلى أداة اقتصادية مهمة؛ لأن الشركات لا تراقب فقط كم ينفق الناس، ولكن أيضًا لماذا ومتى يقررون الإنفاق.
الاقتصاد ليس أرقامًا فقط
المحاسبة الذهنية تذكرنا بأن قرارات الشراء والادخار لا تحكمها الحسابات المالية وحدها.
ففي كثير من الأحيان، الطريقة التي نصنف بها المال داخل عقولنا يمكن أن تكون مؤثرة بقدر قيمة المال نفسها، وهو ما يجعل الاقتصاد السلوكي واحدًا من أهم المجالات لفهم المستهلك الحديث.


