بعد سنوات من الأداء الضعيف، بدأت ألمانيا ترى إشارات أكثر إيجابية في اقتصادها.
فالحكومة الألمانية رفعت اليوم الخميس توقعاتها للنمو الاقتصادي خلال 2026 إلى 1.3%، مقابل 0.5% في توقعات أبريل، كما رفعت تقديراتها لعام 2027 إلى 1.1% بدلًا من 0.9%.
وجاءت المراجعة بعد نمو الاقتصاد الألماني بنسبة 0.3% خلال الربع الثاني، رغم استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع الأسعار والحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب حالة عدم اليقين المرتبطة بالرسوم الجمركية الأمريكية.
وبحسب وزارة الاقتصاد الألمانية، فإن الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية وتعزيز القدرات الدفاعية أصبحت من المحركات الرئيسية للتعافي.
لماذا تتحسن ألمانيا الآن؟
الاقتصاد الألماني كان يعاني لفترة طويلة من ضعف النمو، خصوصًا مع الضغوط التي تعرضت لها الصناعة والتصدير وارتفاع تكاليف الطاقة.
لكن الحكومة بدأت تنفيذ حزمة كبيرة من الاستثمارات في البنية التحتية والدفاع، وهو ما ضخ طلبًا جديدًا داخل الاقتصاد.
كما تتوقع الحكومة أن ترتفع الصادرات الألمانية 3.7% خلال 2026، قبل أن يتباطأ نموها إلى 2.1% في 2027.
وهنا تظهر نقطة مهمة: التحسن الألماني لا يعني أن كل مؤشرات الاقتصاد أصبحت قوية.
فبيانات التجارة الصادرة اليوم أظهرت أن الصادرات الألمانية تراجعت 0.8% في أغسطس إلى 137.6 مليار يورو، بعد انخفاضها 0.5% في يوليو، بينما ارتفعت الواردات 0.9%، ما أدى إلى تقلص الفائض التجاري إلى 19.5 مليار يورو.
إذن.. هل التعافي حقيقي؟
المفارقة أن ألمانيا تواجه صورتين اقتصاديتين في الوقت نفسه.
من ناحية، الحكومة ترى أن الاقتصاد خرج من مرحلة الركود وبدأ يتحرك، وتراهن على الإنفاق والاستثمار لخلق دورة نمو جديدة.
ومن ناحية أخرى، ما زالت الصناعة والتجارة الخارجية تواجهان تحديات قوية، خصوصًا مع ضعف الطلب العالمي والمنافسة الصينية والتوترات التجارية.
حتى إن طلبيات المصانع الألمانية تراجعت 10.6% في أغسطس، وفق بيانات نُشرت هذا الأسبوع، وهو ما يوضح أن الطريق أمام الصناعة الألمانية لا يزال صعبًا.
وبالتالي، فإن رفع توقعات النمو لا يعني أن ألمانيا عادت بالفعل إلى قوتها السابقة، وإنما يعكس اعتقاد الحكومة بأن الإنفاق والاستثمار يمكن أن يعوضا جزءًا من ضعف القطاع الصناعي.
وماذا يعني ذلك لمصر؟
العلاقة هنا مهمة لأن ألمانيا ليست مجرد اقتصاد أوروبي بعيد عن مصر.
بحسب بيانات Germany Trade & Invest، بلغت صادرات ألمانيا إلى مصر نحو 4.38 مليار يورو في 2025، بينما بلغت وارداتها من مصر حوالي 1.65 مليار يورو.
وتشمل التجارة بين البلدين قطاعات مثل الآلات والمعدات والسيارات والأجهزة الكهربائية والأدوية، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بالنشاط الصناعي والاستثماري.
كما أعلن السفير الألماني في القاهرة خلال سبتمبر أن حجم التجارة بين مصر وألمانيا بلغ نحو 6 مليارات يورو في العام الماضي، مع استمرار اهتمام شركات ألمانية بالتوسع والاستثمار في السوق المصرية.
لذلك، فإن تحسن الاقتصاد الألماني قد يعني فرصًا أكبر أمام الصادرات المصرية إلى السوق الألمانية، وفي المقابل قد يدعم شهية الشركات الألمانية للتوسع والاستثمار في مصر، خصوصًا إذا أصبح التعافي الاقتصادي أكثر استدامة.
التضخم ما زال نقطة ضعف
ورغم رفع توقعات النمو، لا تزال الأسعار تمثل تحديًا.
الحكومة الألمانية تتوقع وصول التضخم إلى 2.7% في 2026 و3% في 2027، قبل أن يتراجع إلى 2.2% في 2028.
كما ارتفع التضخم الألماني إلى 3.3% في سبتمبر، وهو أعلى مستوى تقريبًا في ثلاث سنوات.
وتحاول الحكومة تخفيف جزء من الضغط على المستهلكين من خلال خفض ضرائب البنزين والديزل بمقدار 0.17 يورو للتر من أكتوبر حتى نهاية ديسمبر.
هل تستطيع ألمانيا الحفاظ على التعافي؟
الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الاقتصاد على تحويل الإنفاق الحكومي الحالي إلى نمو مستدام، بدلًا من الاعتماد على دفعة مؤقتة من الإنفاق العام.
فالاقتصاد الألماني ما زال حساسًا للصناعة والطاقة والتجارة الخارجية، وأي تصعيد جديد في الشرق الأوسط أو استمرار اضطراب التجارة العالمية يمكن أن يعيد الضغط على الشركات والمستهلكين.
لكن إذا استمرت الاستثمارات الحكومية وتحسنت الصادرات والطلب المحلي، فقد تكون ألمانيا أمام بداية دورة اقتصادية جديدة بعد سنوات من الركود.


